فريد زهران يكتب :ما الشروط الواجب توافرها لإجراء انتخابات ديمقراطية

الجمعة , 18 مارس 2016 , 02:57 م آراء ورؤى


فريد زهران


في أي بلد في العالم من المفترض أن تعكس نتائج الانتخابات إرادة الناخبين، وفى بلادنا جرت العادة لعقود طويلة خلت أن يتم تزييف هذه الإرادة من خلال وسائل بدائية ومباشرة، وكان ذلك يتم في العادة من خلال تسويد البطاقات الانتخابية لصالح أحد المرشحين، أو كان يتم قبل ذلك ببضعة عقود، بإلقاء الصناديق في الترعة واستبدالها بصناديق أخرى، ولكن في الفترات الأخيرة، وبالذات عندما أخذت البلاد بمبدأ الرقابة القضائية على الانتخابات، بدأت السلطات المسئولة عن تزوير إرادة الناخبين في البحث عن أساليب وأدوات جديدة غير مباشرة بقدر أو آخر لفرض أو استبعاد مرشحين بعينهم، وكان من بين هذه الأدوات مثلًا انحياز أجهزة الإعلام الرسمية وكذا أجهزة الإدارة المحلية لمرشح محدد، كما كان من بينها أيضًا التوسع في شراء الأصوات بشكل مباشر أو غير مباشر..الخ.

وبصرف النظر عما إذا كانت أجهزة الدولة، أي دولة، تحاول بشكل قصدى تزييف إرادة الناخبين أم لا، إلا أننا نستطيع أن نحدد بعض الشروط التي يجب أن تتوفر لكى تعكس الانتخابات إرادة الناخبين، أو بصياغة أخرى لكي يعبر البرلمان المنتخب عن كل المكونات الاجتماعية والسياسية للمجتمع.

وإجمالًا نستطيع أن نعتبر أن البيئة مناسبة لإجراء انتخابات تعبر عن إرادة الناخبين من خلال مدى توفر بعض أو كل الشروط التالية:

الشرط الأول: وجود مناخ سياسي يشجع الناخبين على التصويت في الانتخابات بحيث ترتفع نسبة المشاركة إلى ما يتراوح بين 50% إلى 70% من إجمالى عدد الناخبين، حيث تضمن نسبة المشاركة العالية هذه أن تتحرر الانتخابات من احتمال فوز كتلة تصويتية طائفية، أو قبلية، بمقاعد البرلمان، ولعلنا جميعًا نذكر، تأكيدًا لما ذهبنا إليه، أن الإخوان كانوا يحققون نتائج باهرة في الانتخابات البرلمانية منذ انتخابات برلمان 1984 وحتى انتخابات برلمان 2010، وذلك لأنهم أقلية متماسكة تذهب عن بكرة أبيها إلى صناديق الاقتراع في ظل عزوف أغلبية الناخبين عن المشاركة، وهو الأمر الذي كان يجعل كتلة الإخوان شبه الطائفية والمحدودة قادرة على أن تكون رقمًا مؤثرًا في الانتخابات، وفي تقديرنا أن أكثر الكتل التصوييتية التي تستفيد من ضعف الإقبال على الانتخابات هي العصبيات القبلية التي يتم حشدها وتعبئتها وتوجيهها لصالح ما تتفق عليه العائلة أو القبيلة التي تتحالف في الأغلب مع بضعة أو عدة قبائل وعائلات أخرى وإذا كان إجمالي الأصوات في دائرة ما، مثلا، يبلغ مائة ألف صوت والإقبال في حدود 20% فإن نجاح أحد المرشحين في حشد تحالف عائلي - قبلي يحصد خمسة آلاف صوت سيمكنه حتمًا من الدخول في جولة الإعادة بسبب تفتيت الأصوات بين نحو 15 مرشحًا على المقعد الواحد، وبوصول المرشح إلى جولة الإعادة تصل نسبة نجاحه إلى 50%، أما إذا وصلت نسبة المشاركة إلى 60% فإن الخمسة آلاف صوت، التي تعتبر كل ما يمكن أن يجنيه مثل هذا المرشح "القبلي"، لا يمكن أن تؤهله لخوض معركة الإعادة.

الشرط الثاني: وجود حالة من الزخم السياسي، أي بتعبيرات أخرى وجود حالة من الاهتمام الشعبي الواسع بالسياسة والعملية الانتخابية تكون من ناحية سببًا في دفع الناس للمشاركة في الانتخابات، ومن ناحية أخرى سببًا في دفع الناس إلى اختيار مرشحيهم وفقًا لمصالحهم وتطلعاتهم بحيث يكون البرلمان في النهاية معبرًا عن كل المصالح والتطلعات الموجودة في المجتمع أي إنه معبر عن إرادة الناخبين.

الشرط الثالث: وجود بيئة تشريعية وقانونية تساعد على تمثيل كل مكونات المجتمع السياسية والاجتماعية، ولا تسمح بإقصاء أي من هذه المكونات استنادًا إلى منطق ديكتاتورية الــ50% + 1 أو بتعبير آخر منطق استقواء الأغلبية.

الشرط الرابع: حياد أجهزة الدولة وعدم تدخلها في مسار الانتخابات، ويتضمن ذلك بالطبع عدم قيام أجهزة الأمن، مثلا، بمنع مرشحي المعارضة من القيام بدعايتهم الانتخابية، أو منع الناخبين من الوصول إلى مراكز الاقتراع، أو القيام بتسويد البطاقات الانتخابية لصالح أحد المرشحين أو تسهيل ذلك، لكن كل ذلك لا يعتبر كافيًا إذ يقتضي الأمر أيضًا ألا ينحاز الإعلام الرسمي لمرشحي اتجاه محدد، كما يقتضي الأمر أيضًا أن تلتزم أجهزة الإدارة المحلية الحياد بين المرشحين فلا تجعل من نفسها أداة في يد مرشح الدولة الذي يصبح بسبب وضع أجهزة الإدارة المحلية تحت تصرفه الشخص القوى والقادر على تقديم الخدمات لأبناء دائرته مما يعظم من فرصته في الفوز.

الشرط الخامس: الحد من سطوة المال، ونحن لا نقصد بذلك فقط القضاء على، أو الأقل الحد من ظاهرة شراء الأصوات، وإنما نقصد أيضًا وضع قواعد صارمة لضمان عدم تجاوز أي مرشح لسقف الإنفاق المالي المقرر في القانون لضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين، وأخيرًا فإننا نقصد بذلك أيضًا ضمان عدم انحياز الفضائيات، والصحف، والمواقع الإلكترونية المملوكة لرجال الأعمال، لطرف محدد لأن التقدير المالي لهذا الانحياز قد يؤدي إلى أن يتجاوز سقف الإنفاق المالي لهذا الطرف الحد المسموح به في القانون.

والآن: إذا كانت هذه هي شروط إجراء انتخابات ديمقراطية تعبر عن مكونات المجتمع، أي مجتمع، فهل يمكننا أن نعتبر أن هذه الشروط تتوفر الآن للانتخابات البرلمانية في مصر؟! لعلنا نحاول الإجابة عن هذا السؤال في مقال قادم بإذن الله.

نقلاعن :فيتو



مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم