إبراهيم نوار يكتب: تحديات مواجهة التضخم والعجز المالي والبطالة وانخفاض النمو تسيطر على الموازنة العامة الجديدة

الإثنين , 27 مارس 2017 , 01:35 م آراء ورؤى


إبراهيم نوار


اقترب موسم صاحبة الحضرة المبجلة الموازنة العامة للدولة. وبدأت الحكومة فعلا مناقشة الصيغة الأولية لمشروع الموازنة الجديدة، ومن المقرر أن تتم مناقشتها رسميا في مجلس الوزراء بين يومي الإثنين 27 مارس والخميس 30 مارس على أن تقدمها الحكومة إلى مجلس النواب قبل نهاية ذلك اليوم (الخميس 30 مارس)، حتى يتمكن المجلس من مناقشتها وإقرارها ليبدأ العمل بها اعتبارا من أول يوليو 2017.

وستكون هذه الموازنة هي الأولى التي يعدها بأكملها الوزير الحالي عمرو الجارحي، كما ستكون أيضا الموازنة الأولى بعد تعويم سعر صرف الجنيه وبعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وتسلم مصر الشريحة الأولى منه. هذه موازنة مهمة بكل تأكيد حيث إنها ستوضح السياسة الإقتصادية للحكومة الحالية التي يرأسها المهندس شريف إسماعيل. 

ويعتبر إعلان الموازنة العامة للدولة حدثا مهما في البلدان الديمقراطية. وفي العادة يمسك المواطن بالقلم والورقة لكي يحسب كم ستحصل منه الحكومة، وكم سيعود عليه منها. وفي العادة فإن الحكومات في الدول الديمقراطية التي تحترم مواطنيها تأخذ باليمين لكي تعطيهم بالشمال. أما في الدول التي تعامل فيها الحكومة مواطنيها على إنهم البقرة الحلوب التي تعمل ليل نهار لإرضاع الدولة والسهر على تلبية حاجاتها، فإن الحكومة تأخذ باليمين، وتأخذ أيضا بالشمال!

ومن هنا تأتي أهمية الموازنة العامة بالنسبة للمواطن، فالميزانية تقدم للمواطن المؤشرات التي قد تدعوه للاطمئنان، أو قد تسبب له القلق. الموازنة العامة للدولة تحدد كم سيدفع المواطن للدولة من ضرائب مباشرة وغير مباشرة ورسوم ودمغات وخلافه. كذلك فإنها تحدد أيضا ماذا ستقدمه الدولة لمواطنيها من خدمات في مجالات تأمين احتياجاته الأساسية وتقديم خدمات الصحة والتعليم والإسكان والطرق والرعاية الاجتماعية والأمن وخلافه. وسوف ينظر المواطنون إلى مشروع الموازنة من أهم النوافذ التي تقلقهم. وأهم مصادر قلق المواطن تتمثل في التضخم والبطالة وانخفاض معدلات النمو والعجز المالي الحكومي.

وفي الوقت نفسه فإن إعلان الموازنة العامة للدولة يعتبر مناسبة مهمة لقيادات السوق ورجال الأعمال والبنوك وللمتخصصين والأحزاب السياسية والنقابات وغيرها للوقوف على الحالة المتوقعة للاقتصاد في السنة المالية المقبلة. ويهتم هؤلاء على وجه الخصوص بما يطلق عليه الاقتصاديون "المتغيرات الاقتصادية الكلية" مثل معدل النمو الاقتصادي ومعدلات البطالة والتضخم والأجور والادخار والاستثمار والعجز في الموازنة العامة للدولة وحالة الميزان التجاري وغير ذلك من المتغيرات الاقتصادية التي تضعها الحكومة في اعتبارها وهي تعد الموازنة العامة للدولة.

وتعتبر هذه المؤشرات في مجموعها علامة على حالة الاقتصاد ومدى صحته وقدرته على تحقيق التوازن والاستقرار والوفاء باحتياجات المواطنين فيما يتعلق بتوفير فرص العمل الملائمة وإمداد الأسواق بما تحتاجه لتلبية احتياجات المواطنين بالأسعار التي يستطيع المواطنون دفعها. 

وعلى الرغم من تطاير بعض الأنباء والأرقام عن الموازنة العامة الجديدة خلال الأسابيع الأخيرة، فإننا لن نتعامل مع هذه الأرقام حتى يتم تقديم النسخة الرسمية من الموازنة إلى مجلس النواب. وأظن أن بعض الأرقام تخضع الآن للمراجعة الأخيرة قبل تقديم الموازنة إلى المجلس في موعد أقصاه يوم الخميس المقبل.

ومع ذلك فإننا وفي سياق الاستعداد لمناقشة مشروع الموازنة سنعرض للقيود الأولية والمحددات التي يتعين على وزير المالية مراعاتها قبل تقديم مشروعه في صيغته النهائية قبل المناقشة. ونحن نعرف بالتأكيد أن مشروع الموازنة الذي يقدمه وزير المالية لمجلس النواب يظل مشروعا حتى يتم الانتهاء من مناقشته وإقراره تصويتيا داخل مجلس النواب، بعد الموافقة عليه وإقراره بواسطة لجنة الخطة والموازنة، ثم بعد الموافقة على المشروع، ربما بعد إجراء بعض التعديلات، يتم إحالته إلى رئيس الجمهورية ليصدر في صورة قانون تلتزم به الحكومة وأجهزتها المختلفة خلال السنة المالية. 

وتشمل القيود والمحددات التي يجب أن يلتزم بها مشروع الموازنة مايلي:
1- برنامج الحكومة المقدم إلى البرلمان والممتد حتى نهاية شهر يونيو 2018 وهو نهاية السنة المالية الجديدة.
2- برنامج الإصلاح الإقتصادي الذي تنص عليه إتفاقية قرض صندوق النقد الدولي التي وافق عليها الصندوق في 11 نوفمبر 2016 وصدر بالموافقة عليها القرار الجمهوري رقم ...في أول مارس 2017.

3- المنشور العام بشأن قواعد وتوجيهات إعداد الموازنة العامة للدولة الذي أصدره السيد وزير المالية إلى أجهزة الحكومة المختلفة عند البدء في إعداد مشروع الموازنة.

أولا: برنامج الحكومة

تضمن برنامج حكومة المهندس شريف إسماعيل الذي تم تقديمه لمجلس النواب في مارس 2016 عددا من الأهداف الإقتصادية في إطار رؤية مصر 2030. ومن المفترض أن الحكومة تتابع شهرا بشهر برنامج عملها لضمان اتساقه مع الأهداف المحددة، والالتزام بالتعهدات التي قطعتها الحكومة على نفسها.

وتعهدت الحكومة في برنامجها باستعادة الثقة في الاقتصاد وتحقيق معدلات نمو مرتفعة وتوزيع ثمار النمو بصورة عادلة. كما تعهدت الحكومة "بتكثيف جهودها لزيادة معدلات الادخار المحلي ومعالجة الاختلالات المالية التي تواجه الموازنة العامة وميزان المدفوعات، وتقليص الفجوات التمويلية التي تواجه اقتصادنا بصورة كبيرة." وفي إطار هذه التعهدات التي لا يتسع المجال لذكرها هنا وضعت الحكومة أهدافا كمية محددة تسعى لتحقيقها حتى يونيو 2018 وهو موعد نهاية الموازنة العامة الجديدة للدولة. وأهم هذه الأهداف مايلي:

- تحقيق معدل نمو يصل إلى 6% على أن يزيد بعد يونيو 2018 إلى أعلى من ذلك
- خفض معدل البطالة إلى ما يتراوح بين 10% إلى 11%
- رفع معدل الادخار المحلي إلى ما يتراوح بين 9% إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي
- رفع معدل الاستثمار المحلي إلى ما يتراوح بين 18% إلى 19% 
- خفض العجز في الموازنة العامة للدولة إلى 9% من الناتج المحلي الإجمالي
- السيطرة على تفاقم الدين العام الحكومي والنزول به إلى ما يتراوح بين 92% إلى 94% من الناتج المحلي الإجمالي

- خفض معدل التضخم السنوي إلى 9.5% 

وجاء في وثيقة برنامج الحكومة الذي قدمته لنيل الثقة من نواب الشعب أن تحقيق هذه الأهداف سيتم من خلال الإعتماد على أربعة ركائز أساسية تتمثل في استعادة التوازنات على مستوى الاقتصاد الكلي، والعدالة في توزيع الدخول وتحقيق التنمية المستدامة، والانطلاق الاقتصادي وزيادة معدلات التشغيل، وأخيرا إنجاز المشاريع القومية الكبرى التي تتضمن الانتهاء من تنمية قناة السويس واستصلاح 1.5 مليون فدان ومشروع إنشاء العاصمة الإدارية وشبكة الطرق القومية وغيرها. 

ثانيا: اتفاق صندوق النقد الدولي

تمثل شروط الاتفاق مع صندوق النقد الدولي المحدد الثاني لإعداد مشروع الموازنة العامة للدولة في السنة المالية 2017/2018 نظرا لأن هذا الاتفاق يضمن استمرار التدفقات المالية التي تتوقعها مصر، كما أن الوفاء بالالتزامات الواردة فيه، بما في ذلك مذكرات التفاهم المحلقة به والتي وقع عليها كل من السيد محافظ البنك المركزي والسيد وزير المالية، يمثل ضمانا رئيسيا للثقة في الإقتصاد المصري وفي قدرة السياسة الاقتصادية على تحقيق الاستقرار وجذب المزيد من الاستثمارات الكافية لتحقيق مستويات نمو أعلى وتوفير فرص عمل أكثر، وإتاحة السلع والخدمات الأساسية في سوق تتمتع بالمرونة الكافية لمنع وقوع أزمات سلعية أو سعرية. ويشمل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي التزام الحكومة بإجراء إصلاحات مالية وإدارية لضمان تحقيق الأهداف التالية:

1- إصلاح وتعديل السياسات النقدية والمالية بما يضمن: أ) تحرير أسعار الصرف والحيلولة دون وقوع نقص في موارد العملات الأجنبية وتشجيع الاستثمار والصادراتز ب) احتواء معدل التضخم داخل حدود آمنة. ج) تطبيق سياسة مالية قوية لضمان القدرة على سداد الديون العامة في المدى المتوسط. 
2- تعزيز وتدعيم شبكات الحماية الاجتماعية للفقراء وغير القادرين وزيادة الإنفاق على دعم المواد الغذائية الضرورية والتحويلات النقدية للأسر الفقيرة. 
3- تطبيق إصلاحات اقتصادية واسعة المدى لتعزيز فرص تحقيق معدلات نمو مرتفعة للناتج المحلي يستفيد منها الجميع، وزيادة فرص العمل المتاحة للشباب والمرأة.
4- تدبير موارد مالية متجددة لسد فجوات التمويل خلال فترة البرنامج الإصلاحي حتى نهاية السنة المالية 2018/2019
ومن أجل النجاح والتقدم على هذه المحاور الأربعة، التي حددها اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي، تم تحديد الآليات والإصلاحات التي يجب تحقيقها تفصيلا على النحو التالي:
- زيادة الإيرادات الضريبية بما يعادل 2.5% من إجمالي الناتج المحلي، وستتحقق هذه الزيادة أساسا من تطبيق ضريبة القيمة المضافة، مع تخفيض الإنفاق الحكومي الأولي بما يعادل 3.5% من إجمالي الناتج وذلك من خلال تخفيض الدعم وزيادة أسعار مواد الوقود.
- يتم توجيه ما يعادل 1% من إجمالي الناتج المحلي (من الوفورات التي ستتحقق بواسطة زيادة الإيرادات وتخفيض النفقات) لزيادة الإنفاق على برامج دعم الغذاء، والتحويلات النقدية المباشرة إلى الأسر الفقيرة وبرامج الرعاية الاجتماعية الأخرى بما في ذلك الوجبات المدرسية للتلاميذ.
- إصلاح أنظمة إدارة المالية العامة للدولة وتحصيل الإيرادات وحسابات الإنفاق، وتقديم بيان بالسياسة الاقتصادية والإصلاحات إلى مجلس النواب مع الميزانية في كل سنة مالية. ويجب وضع خريطة طريق لإعادة النظر في التزامات الميزانية العامة للدولة تجاه صناديق التأمين والمعاشات.
- يجب أن تتضمن الإصلاحات الهيكلية خططا وبرامج لمواجهة التحديات المزمنة التي يعاني منها الاقتصاد المصري وعلى رأسها انخفاض معدل النمو وارتفاع معدل البطالة. كذلك يجب أن تتضمن هذه الإصلاحات علاج تشوهات نظم التراخيص الصناعية، وزيادة التمويل المتاح للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وسن تشريعات أو إدخال إصلاحات تشريعية على قوانين الإفلاس وتصفية النشاط.
- من أجل تشجيع المرأة على العمل وزيادة مساهمتها في قوة العمل الفعلية يجب التوسع في توفير دور الحضانة العامة لرعاية الأطفال وتعليمهم في سن مبكرة، وطلب الصندوق إنفاق 250 مليون جنيه على الأقل لإنشاء دور الحضانة العامة، كما شمل الاتفاق في هذا السياق ضرورة توفير معايير الأمان الكافية في أنظمة النقل العام لتشجيع المرأة على الانتقال إلى أماكن العمل.
- قدر صندوق النقد الدولي فجوة تمويل برامج الإصلاح خلال فترة البرنامج (3 سنوات) بنحو 35 مليار دولار، يغطي الصندوق منها 12 مليار دولار على أن تقوم الحكومة بترتيب تغطية الجزء المتبقي من مصادر التمويل الأخرى، علما بأنه قد تمت تغطية احتياجات البرنامج في السنة الأولى بالكامل.
- حذر الصندوق من مخاطر الصدمات الخارجية بسبب اعتبارات التوتر الإقليمي وتأثير ذلك على موارد السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر.
- وطبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فإن مؤشرات الأداء للمتغيرات الاقتصادية الكلية في سنوات برنامج الإصلاح الثلاثة ستكون على الشكل التالي: معدل النمو المتوقع سيكون في حدود 4.8% عام 2017/2018 مع زيادة نصيب الاستثمار كل سنة ليصل معدل النمو إلى 6% عام 2019/2010، تخفيض الدين العام إلى 85.8% من الناتج المحلي الإجمالي، تخفيض العجز في الميزانية إلى 4.7% من الناتج، وتخفيض العجز في الحساب الجاري إلى ما يعادل 3% ، تخفيض التضخم إلى 13.3% ثم إلى 9.6% ثم إلى 7% خلال الفترة من 2017 إلى 2020، تخفيض البطالة إلى 11.3% عام 2017/2018 حتى يصل معدل البطالة إلى 6.7% في العام 2020. 
- خلال فترة برنامج الإصلاح الاقتصادي سترتفع قيمة الديون الخارجية إلى 82.3 مليار دولار في السنة المالية 2017/2018 وسيواصل الدين الخارجي ارتفاعه سنويا حتى يصل إلى 102.4 مليار دولار في السنة المالية 2020/2021 بما يعادل 26% من الناتج المحلي الإجمالي. 
وقد وقع صندوق النقد الدولي مع كل من محافظ البنك المركزي المصري ووزير المالية مذكرة تفاهم لضمان ألا تتعثر مصر في سداد التزاماتها تجاه الصندوق. وتقدر المذكرة أن التزامات مصر تجاه الصندوق ستبلغ ما يعادل 36% من إجمالي قيمة الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي في نهاية السنة المالية 2018/2019 وأن خدمة القرض ستستهلك ما يعادل 0.6% من القيمة الكلية لحصيلة الصادرات السلعية والخدمية في تلك السنة. وطبقا للاتفاق فإن الصندوق سيراقب تنفيذ الإصلاحات المطلوبة كل ستة أشهر على أن يعد تقريرا بذلك إلى مجلس إدارة الصندوق، هذا بجانب المراجعات الدورية التي تسبق استلام مصر لكل شريحة من شرائح القرض الست. ومن المعروف أن المراجعة الأولى قد تأجلت ومن ثم فإن الشريحة الثانية من قرض الصندوق التي كانت مقررة في منتصف مارس 2017 قد تأجلت بسبب ذلك. 

ثالثا: توجيهات إعداد الموازنة العامة للدولة
عادة ما يصدر وزير المالية منشورا يحدد ضوابط إعداد الموازنة العامة للدولة يتم تعميمه على الإدارات المختصة في الوزارة وعلى الإدارات المختصة في الوزارات الأخرى وفي أجهزة الدولة لضمان تحقيق أكبر قدر من التناسق بين عمل الجهات المختلفة خلال مراحل إعداد الموازنة العامة للدولة. وقد تضمن منشور إعداد موازنة السنة المالية 2017/2018 تحديد أهداف السياسة المالية وآيات تحقيقها، بما في ذلك الإصلاحات المالية والإدارية والقانونية التي تضمن تحقيق أهداف السياسة المالية. 
وأشارت توجيهات إعداد الموازنة العامة للدولة إلى أهداف وآليات السياسة المالية على النحو التالي: 
1- تحقيق زيادة في معدلات النمو إلى 5% من خلال تنفيذ حزمة من الاصلاحات الهيكلية لدعم القطاعات الانتاجية خاصة انشطة الصناعة والتصدير وجذب الاستثمارات بالإضافة إلى إجراء إصلاحات اقتصادية هيكلية لتوفير بيئة مالية ونقدية ومؤسسية مستقرة وعادلة للاعمال، مع استكمال المشروعات التنموية الكبري ومعالجة فجوة الطاقة وتحقيق افضل استغلال للموارد الطبيعية.
2- تحقيق الاستقرار والاستدامة المالية علي المدي المتوسط من خلال العمل علي خفض معدلات عجز الموازنة العامة الي 9.5% من الناتج المحلي الاجمالي مقابل 12.2% للعام المالي الماضي وايضا خفض نسبة الدين العام الي الناتج المحلي لنحو 94% علي أن تصل إلي ما يتراوح بين 80 و85% علي المدي المتوسط. كذلك مواصلة برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل للحكومة، فمثلا علي جانب الإيرادات العامة استكمال تطبيق ضريبة القيمة المضافة وتفعيل قانون انهاء المنازعات الضريبية لخلق مناخ من الثقه بين الممول ومصلحة الضرائب والعمل علي رفع كفاءة أداء الإدارة الضريبية وإجراء إصلاحات بالمنظومة الجمركية مع تطوير منظومة الضرائب العقارية علي المباني، إلى جانب تنفيذ حزمة من الإجراءات لتعزيز الإيرادات غير الضريبية. أما على جانب الإنفاق العام فستواصل الحكومة سياسات ترشيد الإنفاق العام وإعادة ترتيب أولوياته والتوجه نحو برامج الدعم الأفضل استهدافا للفئات الاولي بالرعاية ورفع كفاءة نظم إدارة المالية العامة للتأكد من كفاءة الإنفاق.
3- تحقيق تقدم ملموس في معدلات التنمية والحماية الاجتماعية لتحسين جودة حياة المواطنين، عبر زيادة حجم الإنفاق العام علي التنمية البشرية خاصة قطاعي التعليم والصحة وتحسين الخدمات لتمكين المواطنين من الاستفادة من ثمار النمو الاقتصادي بشكل عادل، خصوصًا في قطاعات الإسكان والمياه والصرف الصحي والطرق والنقل والمواصلات والكهرباء وتطوير العشوائيات بالإضافة إلى التوسع في برامج الحماية الاجتماعية التي تتميز بالكفاءة وتستهدف الطبقات الأقل دخلا والأولى بالرعاية.
4- تطوير منظومة الأجور بهدف رفع معدلات إنتاجية العامل المصري عبر ربط الحافز بمعدلات الإنتاج الفعلية إلى جانب الانتهاء من ميكنة عمليات صرف الأجور والمعاملات الحكومية بوجه عام مع تطوير أطر الرقابة الداخلية علي الانفاق العام قبل الصرف وتطوير منظومة التدفقات النقدية.
5- التحول من موازنات البنود إلى موازنات البرامج والاداء وبشكل تدريجي حيث ستبدأ فى هذا التحول أولا في 8 وزارات وهي التعليم العالي والتربية والتعليم والبحث العلمي والصحة والإسكان والمجتمعات العمرانية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتضامن الاجتماعي والنقل.
6- زيادة مخصصات دعم السلع الغذائية للمواطنين والتوسع في برامج الدعم النقدي المباشر مثل برنامجي تكافل وكرامة، إضافة إلى الرعاية الصحية لغير القادرين وتطوير وتحديث عدد من برامج الدعم القائمة حاليا مثل التغذية المدرسية ودعم المرأة المعيلة ودعم المزارعين.
7- إدخال حزمة متكاملة من الإصلاحات المالية تهدف إلى زيادة حجم الإيرادات العامة تشمل توسيع القاعدة الضريبية وربط الضرائب بالنشاط الاقتصادي لتحقيق المزيد من العدالة الضريبية وضبط المجتمع الضريبي عبر العمل علي تغيير ثقافة المجتمع للالتزام باصدار الفواتير وفي نفس الوقت التاكد من ان تصميم الضريبة علي القيمة المضافة يراعي الحماية الاجتماعية للفئات الاولي بالرعاية وعدم فرض اعباء اضافية علي احتياجات المواطنين الاساسية مثل الغذاء والتعليم والصحة والمواصلات والخدمات الثقافية.
8- تحديث وتطوير نظم المعلومات والفحص والتحصيل الالكتروني للضرائب المختلفة والربط بين المصالح الايرادية التابعة لوزارة المالية والتركيز علي سد منافذ التهرب الضريبي وتحسين اداء حصيلة بعض الانشطة خاصة المهن الحرة والضرائب المرتبطة بالقطاع المالي.
9- العمل على إصدار قانون ضريبى جديد ومبسط للمنشآت الصغيرة والمتوسطة لمساندة تلك المنشآت وخفض الاعباء عند تحوليها للاقتصاد الرسمى .
10- تطوير وتحديث منظومة الجمارك لحماية الصناعات الوطنية وتحسين بيئة الاعمال عبر التقدم بمشروع قانون جديد للجمارك يستهدف تبسيط الاجراءات لخفض تكلفة ووقت الافراج الجمركي علي تجارة مصر الدولية  وفي نفس الوقت يشدد عقوبات المهربين.
11- وفي مجال الضرائب العقارية ستعمل الوزارة علي استكمال الاتفاقيات التحاسبية مع الوزارات المعنية بانشطة السياحة والبترول تمهيدا لتطبيق الضريبة علي العقارات المبنية بهذين القطاعين، علما بان القانون يقضي بتوجيه نصف الحصيلة الي تطوير العشوائيات ودعم موازنات المحافظات لتطوير خدمات المحليات.
12- استكمال تسويات تقنين اوضاع مالكي الاراضي التي تم تغيير نشاطها من زراعي الي تنمية عقارية ، الي جانب اصلاحات لرفع كفاءة اداء الهيئات الاقتصادية وشركات قطاع الاعمال العام لتحقيق عوائد تتناسب مع حجم الاستثمارات العامة بها لاستخدامها في تحسين الخدمات التي تقدمها للمواطنين. 
الاستمرار في تنفيذ اصلاحات قطاع الطاقة لإزالة التشوهات السعرية داخل الاقتصاد التي ادت لجذب صناعات كثيفة استهلاك الطاقة علي حساب الصناعات كثيفة التشغيل، لافتا الي ان من المنتظر  استكمال تنفيذ خطة ترشيد دعم المنتجات البترولية علي المدي المتوسط وتطبيق منظومة البطاقات الذكية لتوزيع المنتجات البترولية  المدعمة بهدف مكافحة تسرب الدعم وعمليات تهريب المواد المدعمة لخارج البلاد. كذلك فإن الإصلاحات تشمل اتخاذ اجراءات مالية وهيكلية بقطاع الطاقة وشركاتها التابعة لتعظيم العائد من هذا القطاع واستكمال تطبيق خطة ترشيد دعم الكهرباء  وخطط ترشيد انارة الشوارع والهيئات والمصالح الحكومية باستخدام اللمبات الموفرة للطاقة مع فتح المجال للقطاع الخاص للمشاركة في انتاج الكهرباء بالطرق التقليدية بجانب الطاقة الجديد والمتجددة وبيعها للشبكة الرئيسية والمستهلكين باسعار اقتصادية.

السياسة المالية في الموازنة الجديدة
في سياق ما عرضناه من خطوط عامة تتعلق ببرنامج الحكومة، وبتوجيهات إعداد الموازنة، والإلتزامات تجاه صندوق النقد الدولي، فإن السياسة المالية التي تقوم عليها الموازنة الجديدة يجب أنتسير في نفس الإتجاه، وأن تتبنى إصلاحات تحقق تخفيض الإنفاق العام، وزيادة الإيرادات، وتدبير التمويل اللازم لتغطية فجوة النقد الأجنبي، مع إدخال التشريعات الضرورية المتعلقة بإصلاح أنظمة التأمين الصحي والمعاشات والأجور وأنظمة التوظف في الجهاز العام للدولة ومؤسساتها المختلفة. ويتضمن برنامج الإصلاحات المتفق عليه مع الصندوق تعديل نظام التوظف في الحكومة المركزية والأجهزة المحلية وغيرها من الإدارات التابعة للدولة، بحيث تتم السيطرة على فاتورة الأجور. وطبقا للإتفاق فإن التكلفة السنوية لزيادة الأجور والحوافز يجب ألا تتجاوز معدل التضخم، ومع تخفيض الجهاز الإداري للدولة، يقدر صندوق النقد الدولي أنه يمكن تحقيق وفورات تصل إلى ما يقرب من 1% من الناتج المحلي الإجمالي. 
وقد أوصى الإتفاق بضرورة أن تبحث الحكومة طريقة مثلى للتعامل مع صندوق التأمين والمعاشات، حيث تتحمل الخزانة العامة للدولة حاليا سداد الفرق بين موارد والتزامات كل من الصندوقين (صندوق العاملين بالحكومة، وصندوق العاملين بالقطاع الخاص). وكان وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي قد ضم أرصدة وموارد الصندوقين إلى الميزانية العامة للدولة، وأصدر للصندوقين صكوكا ورقية مستحقة على الخزانة العامة بقيمة الأرصدة التي تم ضمها في غياب كامل لقواعد الشفافية والمسؤولية. وقد أصبحت مدفوعات الخزانة العامة للصندوقين لغرض الوفاء بالتزاماتهما تجاه أصحاب المعاشات تحتسب ضمن قيمة الدعم السنوي في الموازنة العامة للدولة. ويرى صندوق النقد الدولي أنه يجب فصل مالية كل من الصندوقين عن الخزانة العامة. 
وطبقا لتقديرات خبراء صندوق النقد الدولي، فإن مصر تستطيع تحقيق معدلات نمو مرتفعة تتجاوز 6% بفضل سياسة مالية ونقدية سليمة، ومع استثمار الفرص الواسعة التي ستتيحها صادرات مصر من الغاز اعتبارا من العام 2018. ومع زيادة تدفق الإستثمارات الأجنبية، خصوصا في حال استئناف برنامج خصخصة الشركات والبنوك المملوكة للدولة وبيع حصص الحكومة أو جزء منها في الشركات المشتركة، حيث أن ذلك يمكن أن يوفر موارد إضافية كبيرة لتعويض النقص في التمويل الأجنبي. ويقدر صندوق النقد الدولي قيمة الإستثمارات الأجنبية المباشرة المتوقعة في السنة المالية المقبلة بنحو 10.4 مليار دولار، تزيد تدريجيا في السنوات التالية حتى تصل إلى 14.1 مليار دولار في السنة المالية 2010/2021. 
وسوف ننتظر لنرى كيف ستكون السياسة المالية في الموازنة الجديدة، وكيف ستتعامل الحكومة مع أوجه الخلل التي نتجت عن قرار تعويم الجنيه، خصوصا الزيادة غير المتوقعة والتي تجاوزت كل التقديرات في معدل التضخم. وطبقا لتقديرات الصندوق فقد كان من المتوقع أن يسجل التضخم معدلا يصل إلى 18.6% في السنة المالية الحالية 2016/2017، لكن التضخم تجاوز ذلك ومن المتوقع أن يزيد في النصف الأول من السنة المالية المقبلة ولكن بمعدلات أقل بسبب الزيادة أسعار الوقود واسعار السلع وبسبب بدء تطبيق ضريبة القيمة المضافة ورفع نسبتها إلى 14%. 
ومن أهم المؤشرات التي يجب أن نراقبها عن قرب مؤشرات التضخم، والنمو الإقتصادي والبطالة وقيمة الديون المحلية والخارجية إضافة إلى تحركات أسعار الفائدة. إن نجاح الحكومة سوف ستوقف على تحقيق نتائج إيجابية ومتوازنة على صعيد هذه المؤشرات. ليس ذلك فقط، ولكن مع توزيع ثمار النمو توزيعا عادلا بين فئات المجتمع المختلفة، بحيث لا تستأثر فئة اجتماعية بعينها بثمار النمو، في حين تحرم الفئات الأضعف والأفقر منها. 
ومن الظواهر المهمة التي نظن أن الحكومة يجب أن تنتبه لها وأن يتم ذكرها في الموازنة العامة للدولة ما يتعلق بضرورات مكافحة الفساد المستشري كالسرطان في جسم الأجهزة العامة للدولة. ولا يتعلق الأمر هنا بحملات الرقابة الإدارية، أو بحملات الشرطة، ولكن الأمر يتعلق بالبيئة التشريعية والمؤسسية التي تعاني من أوجه خلل هيكلية ينتج عنها ذلك الفساد المستشري في أوصال الدولة من أسفل إلى أعلى وفي كل المجالات على المستوى الأفقي. إن إصلاح البيئة التشريعية النتعلقة بإدارة أجهزة الموازنة العامة من شأنه أن يحقق أقصى درجات الفاعلية في إدارة الموارد المناحة، وألا يشعر المواطنون بانخفاض مستوى أو نوعية الخدمات العامة حتى مع انخحفاض قيمة الإنفاق عليها. ويكفي أن ننظر مثلا إلى الوجبات المدرسة للتلاميذ والتي أوصى صندوق النقد الدولي بزيادة الموارد الموجهة لها، وأن نرى ما تتعرض له مقاولات توريد هذه الوجبات من فساد بما أدى إلى إصابة آلاف التلاميذ بالتسمم. الغريب أن تأتي تقارير الرقابة الصحية بعد حالات التسمم الجماعي لتؤكد أن الوجبات سليمة ومطابقة للمواصفات!


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم