إيهاب الخراط يكتب : الديمقراطية الاجتماعية غاية وطريق: مراجعاتية برنشتاين[1]

السبت , 27 مايو 2017 , 02:37 م آراء ورؤى


د. إيهاب الخراط


مداخلات نظرية في الديمقراطية الاجتماعية       

المراجعاتيةRevisionism  – التى أسس لها ادوار برنشتاين- اعتبرت نفسها الأساس النظرى لاشتراكية إصلاحية ذات توجه حركى. إشتراكية اصلاحية تحقق أهدافها تدريجياً- من خلال الديمقراطية البرلمانية وأنشطة نقابات العمال. وتسعى لأجل تحقيق هذا الغرض أن تخضع الاقتصاد والدولة والمجتمع لأشكال ديمقراطية من الحكم. راجع برنشتاين نبؤات كارل ماركس عن تطور الاستقطاب الاجتماعى، الذى تصور فيها ماركس أن الرأسمالية ستتحول سريعاً إلى احتكارات تجمع الاقتصاد كله في يد حفنة من الرأسماليين الكبار بينما تظل الطبقة العاملة تتسع وتزداد أوضاعها سوءا. وحتى في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين رصد برنشتاين أن المجتمع  الرأسمالى تطور بصور مغايرة لتوقع كارل ماركس. بسبب مرونة الرأسمالية من جهة وبسبب التقدم التكنولوجى. فظهرت صناعات صغيرة ومتوسطة وأشكال أدوات من الإنتاج مختلفة تماماً، بما أدى إلى اتساع الطبقة الوسطى وتغير شكل  البروليتاريا ( الطبقة العاملة أو الكادحين).

ومن ثم أظهر الواقع التجريبي سقوط نظرية الثورة العمالية التى ستستطيع في ضربة واحدة أن تستولى على أدوات الإنتاج من هذه الحفنة من الرأسماليين وتقيم مجتمعاً اشتراكياً تقوده الطبقة العاملة. ولا شك أن القرن العشرين ثم الواحد والعشرين والتقدم أظهرا مرونة أكبر للمجتمعات الانسانية وقفزات  تكنولوجية اخرى عملاقة ( كالكومبيوتر والانترنت والتلفزيون والفضائيات ألخ)، أدت إلى تسريع الحراك الاجتماعي وتنوعه في العالم كله. كما أن ظهور منظمات أممية تدار بطريقة "شبه ديمقراطية" وظهور فكرة التنمية ثم التنمية البشرية و تأسيس مجتعات الرفاه أو برامج دعم الفقراء وتوفير التعليم بالمجان- والخدمات الصحية الأساسية ، إضافة إلى مفاهيم السوق الاجتماعى ، كل هذا أى إلى تعزيز صدق إفتراضات برنشتاين في الواقع الملموس. كما كشف الوجه الاستبدادي للتجربة السوفيتية ثم انهياره السريع وتكرار ما يشبه هذا في منطقتنا في التجربة "الاشتراكية العربية" بنظمها المختلفة.   

الغاية لدى اليسار بمعناه الواسع من أقصاه إلى أقصاه هى مجتمع عادل تتمكن فيه أغلبية الشعب من حقوقها في العدالة والمساواة والمشاركة في حكم أنفسها وتسيطر علي عملية الانتاج لصالح نمو وعى الشعب وحرية كل أفراده وإطلاق طاقات الإبداع فيه. هذا المجتمع سماه الفابيون في بريطانيا والسان سيمونيون في فرنسا "اشتراكي" وكذا ماركس وانجلترا في ألمانيا وبل الحالمين بمجتمع أفضل بما فيه رواد مصريون في القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين استخدموا نفس الاسم: المجتمع الاشتراكى.

أذن مقولات برنشتاين ورفيقه كارل كاوتسكي (1845-1938) تأكدت بفعل التطور التكنولوجى والمرونة التى أشار اليهما برنشتاين من جهة ، وأوجه الفشل المتعددة للتجربة السوفيتية والصينية وتقريبا كل التجارب الماركسية و"الاشتراكية المركزية" التي ركزت السلطة في يد "الطليعة الثورية" و "الحزب القائد" أو "التنظيم الواحد لتحالف الشعب العامل" والتي تجاهلت أواحتقرت وأنكرت "مراجعات" برنشتاين.

اللفظ "مراجعاتية " أطلقه في الواقع خصوم برنشتاين ، بصورة ازدرائية على الانتقادات الحادة التي وجهها للأطروحات الماركسية ذات الطبيعة الاستبدادية كما رآها.

 وكان برنشتاين ومؤيدوه في الأقلية داخل الحركة الديمقراطية الاجتماعية. بل أنه ومجموعة من مؤيديه انفصلوا لفترة عن الحزب وأسسوا حزباً أصغر لعدة سنوات. ثم مال الحزب الديقراطي الاجتماعي الألماني لأرائه وتوحد الحزب الصغير مع الحزب الأمم ثانية عام 1921 عشية مؤتمره العام حيث قدم برنشتاين المسودة النظرية الأساسية للمؤتمر الموحد في هذا العام وتم قبول هذا التوجه النظري وظل سائداً وتوج بجدارة في المؤتمر التاريخي في جودزبرج عام 1959حتى حدثت موجة مراجعات ثانية في كل الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية بداية من عام 1970 حيث روجع حتى لفظ " الاشتراكية " أو "المجتمع الاشتراكي" على خلفية التشويه  الذى حدث لهذا اللفظ من قبل التجارب الاشتراكية المركزية التى بدات تتهاوى منذ ذلك الحين في سقوط متتالى في كل العالم .وبدأ بقوة بزوغ اقتراح أن لفظ " الاشتراكية " نفسه لم يعد ملائماً لوصف المجتمع المنشود بل هى أن هذا المجتمع هو مجتمع الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة. وأن الإنسانية إن أفلحت في تحقيق المنشود، ربما تسمى هذا المجتمع اسماً أخر.

لكن على أى حال تبقى الأسس النظرية- الإصلاحية مقوماً أساسياً لنهج الديمقراطيين الاجتماعيين الذين نجحوا عبر وسائله في الوصول للحكم في بلادهم ثم قبلوا برضا كامل تداول السلطة مع أحزاب أخرى، رأسمالية لبيرالية وقومية وحتى عندما تولى القوميون المتطرفون ذو الصبغة العسكرية (مثل النازيين والفاشيين) الحكم لفترات متفاوتة الطول، انتصر في النهاية  الديقراطيون الاجتماعيون والليبراليون عليهم وعادوا لقيادة اوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا وبدأً صعودهم في غرب أسيا وافريقيا.

المنهج الديمقراطي الاجتماعي بسيط جداً: الغاية القصوى لا يمكن أن تنعزل عن السبيل للوصول إليها. بل كما قال برنشتاين "يجب أن تكون جزءاً لا يتجزأ من كل الإصلاحات التى نقوم بها في الطريق لهذه الغاية، وتكون هذه نبراساً هادياً لنا طوال الطريق الذي نسيره نحو تحقيقها". الديمقراطية كوسيلة حكم فى كل الأحزاب والجمعيات والأحياء والمجالس المحلية وفى البرلمان وفي ادارة المؤسسات والشركات والجمعيات الأهلية وحتى داخل الأسرة، وسيلة لتحقيق الغاية القصوى للمجتمع المنشود، لن نصل لهذا المجتمع الانسانى من العدل والحرية والمساواة ومشاركة الجميع في الحكم إلا من خلال ذات العدل والحرية والمساوة ومشاركة الجميع في حكم التنظيمات التي تناضل من أجل الهدف وفي كل مرحلة من مراحل إصلاح المجتمع وصولا للغاية المنشودة. باختصار الديقراطية الاجتماعية هى الغاية وهى السبيل.



[1] [1] يمكن اعتبار هذه المقالة قراءة تعريفية وملاحظات على مقتطفات من كناب "مفكرو الديمقراطية الاجتماعية " الذي يوزعه معهد فريدش ايبرت في مصر:

Thinkers of Social Democracy, 2016, Christian Krell, Tr. James Patterson, DIETZ


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم