حوار| زياد بهاء الدين: تغيير سعر العملة المحلية «مش عيب».. الاقتصاد الحقيقي أساس مشكلة سعر الصرف (2/2)

السبت , 02 أبريل 2016 , 11:48 ص اقتصاد


دكتور زياد بهاد الدين


البنك الدولي لم يفرض على الحكومة شروط مختلفة عن اتجاهاتها.. ومبادرة المركزي الأخيرة لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة جيدة ولكنها لا تكفي.. قانون الاستثمار "أسوء قانون اقتصادي عدّى عليّا"


حوار: مي خاطر – أحمد عوف

تصوير: محمد فوزي

في سياق التغيرات والتناقضات التي يشهدها الواقع الاقتصادي الاجتماعي المصري، بداية من ثورتين كانت المطالب الاقتصادية الاجتماعية في القلب منهما، ولم تأت النتائج بما يحقق هذه المطالب، مرورًا بتغيرات السياسة المالية واتخاذ إجراءات تقشفية تستهدف خفض عجز الموازنة، ورفض قطاع من الموظفين لقانون الخدمة المدنية الجديد والذي تسبب في رفضه بالبرلمان.. وغيرها من التغيرات والاحداث الاقتصادية.

"الطريق" حاور دكتور زياد بهاء الدين، وتناول الحوار في الجزء الأول رأيه في التناقضات التي يشهدها الاقتصاد المصري، وفي هذا الجزء من الحوار نتناول رأيه في رؤية مصر 2030، وانخفاض سعر صرف الجنيه أمام الدولار، وكيفية النهوض بالمشروعات الصغير والمتوسطة، وقرض البنك الدولي، وقانون الاستثمار.

وإلى نص الحوار..

 وفقاً لرؤية 2030 فإن الحكومة تستهدف خفض معدلات الدين العام إلى 50%، علمًا أنه يبلغ حاليًا نحو 93%.. في تقديرك هل ترى أن هناك إمكانية لتحقيق هذا الانخفاض الحاد؟

أهداف الرؤية لا يختلف عليها أحد، وهي مُجرد رؤية، تعمل على تنفيذ أهدافها الحكومات المتعاقبة،  وعلى الحكومات وضع برامجها التنفيذية لهذه الخطة، حتى الآن لا نعرف تكلفة تحقيق هذا الهدف، وما هي آليات تحقيقه؟ هل ستكون من خلال فرض ضرائب باهظة أم من خلال معونات أجنبية، وربما نجد أن تكلفة تحقيق هذا الهدف باهظة جدًا إلى حد لا نقبله.

ويجب أن نعرف ما هي خطة الحكومة للتنفيذ، ثم نقرر ما إذا كنا سنقبل بها أم نرفضها.

 

ينص قانون البنك المركزي أنه مسئول عن تحقيق استقرار في الأسعار بما يحقق الصالح العام، بالإضافة إلى أن سوق الصرف في مصر مُدار من قبل "المركزي"، وبالتالي في رأيك هل انخفاض سعر صرف الجنيه الحالي هو تعويم مقصود تدريجي، أم أن المركزي فقد السيطرة؟


أنا ليس لدي فتوى أستطيع بها أن أحدد سعر الصرف المضبوط، مشكلة سعر الصرف الآن، أن هناك خلط هائل بين المرض والعرض، أصل الموضوع الذي خلق مشكلة سعر الصرف من البداية، هو أن البلد حصيلتها من النقد الأجنبي منذ سنتين أو 3 سنوات أقل بكثير من مثيلاتها على مدى عشرات السنوات السابقة، بما فيها بعد الثورة.

ولأنه لظروف خارجة عن إرادة البلد، السياحة هذه السنة تكاد تكون منعدمة، التي كانت معدلاتها ضعيفة وتنمو بمعدلات منخفضة، ثم جاء حادث الطائرة الروسية في شهر أكتوبر، وقُضي على الموسم بالكامل.. مناخ الاستثمار الحالي غير جاذب للاستثمار الأجنبي وبالتالي كان الاستثمار الأجنبي أقل مما نأمل، انخفاض سعر البترول لأقل من 30 دولار للبرميل، سيؤثر حتمًا في استعداد الدول العربية لضخ تمويل في مصر، هناك اعتبارات كثيرة جعلت النقد الأجنبي الداخل إلى البلد أقل مما تعودت عليه ومما تحتاجه.

ويجب الاتفاق على أن أي محاولة لإصلاح سعر الصرف يجب أن تنطلق من هذه المشكلة، وإذا لم يحل ذلك سيظل هناك مشكلة بسعر الصرف، «كيف يدار سعر الصرف» هذه مسألة أخرى، أقول ذلك كي لا يبالغ أحد ويقول أنه من مقدور أي سياسة نقدية أو أي بنك مركزي مهما تغير محافظه أو مجلس إدارته، هو في النهاية يتعامل مع وضع أصله في الاقتصاد الحقيقي، وليس في إدارة سعر الصرف.

يُزاد على ذلك أن هناك قرارات كانت متخبطة على مدى السنة السابقة، ووجود سوق سوداء منتعشة بشكل هائل خصوصًا خارج مصر، وأن هناك حساسية مبالغ فيها من أي انخفاض في سعر الجنيه، في حين أن تغير سعر العملة «شيء مش عيب»، وطبيعي أنه عندما يكون اقتصاد البلد أقل نشاطًا تضعف عملتها، وهناك اعتبارات أخرى زادت من المشكلة، لكن معرفة أن المشكلة في أصلها في عدم وجود تدفق نقد أجنبي داخل للبلد.

واحتياطي النقد الأجنبي هو الفائض منه داخل الاقتصاد، الذي يكون البنك المركزي على استعداد لشرائه طول الوقت.. البنك المركزي «طول الوقت مستعد يشتري أي فائض من النقد الأجنبي داخل الاقتصاد»، فإذا كان النقد الأجنبي الداخل لمصر أكثر من النقد الخارج منها، الفائض الناتج من ذلك يقوم البنك المركزي بشرائه ويكون به احتياطي.

ومن ذلك فطبيعي التراكم لدى البنك المركزي احتياطي جيد في السنوات التي شهدت نمو اقتصادي سريع، وكان هناك سياحة كثيرة، وتصدير جيد، واستثمار أجنبي، فآخر سنة تواجدت بهيئة الاستثمار، وسجل الاستثمار الأجنبي 13.5 مليار دولار وهذا الرقم هبط بشدة بعد ذلك، فطبيعي في هذا السياق أن ينخفض الاحتياطي.

وكي يرجع الاحتياطي لمستوياته المرتفعة يجب أن يرجع البلد مرة أخرى يستقبل نقد أجنبي أكثر مما يصدر.


 

كيف يُمكننا النهوض بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وكيف نجذبها إلى القطاع الرسمي، مع العلم أن 60% من المشروعات الصغيرة والمتوسطة في القطاع غير الرسمي؟

مبدئيًا، يجب أن نوضح  أن ليس كل المشروعات الصغيرة تتبع الاقتصاد غير الرسمي، وليست كل الاقتصاد غير الرسمي مكون من المشروعات الصغيرة.

ومبادرة البنك المركزي الأخيرة جيدة جدًا لدعم القطاع من الناحية التمويلية، ولكن "المباردة" وحدها لا تكفي، نحتاج لتسهيلات في جانب التراخيص والإجراءات الإدارية المعقدة، فضلًا على تيسيرات للحصول على أراضي لبناء  المصانع.

وتوفير المعلومات والبيانات تُعد أبرز العقبات التي تواجه قطاع الصناعات الصغيرة والمتوسطة،  وعدم تكافؤ فرصة توفير المعلومات بين الشركات الكبيرة والشركات الصغيرة والمتوسطة تُضعف المنافسة بينهم، وتظلم الشركات الصغيرة والمتوسطة، خاصة أن أكثر ما يعيقه هو العمل في الظلام بخصوص الأسعار والقرارات المحلية.

ومطالب المجتمع المدني بحرية  توفير وتداول، تتيح فرص متساوية في المنافسة بين القطاعات المختلفة.


 

ألا ترى أن قرض مصر من البنك الدولي الأخير بقيمة 3 مليار دولار زهيد مُقارنة بشروطه؟

البنك الدولي نشر الورقة التفصيلية لبنود القرض على موقعه الإلكتروني، والتي اتفق 90% من الوارد بها مع اتجاهات الحكومة قبل سن الاتفاقية، ويجب توضيح أن البنك الدولي لم يفرض شروط مختلفة.

الاتجاه لتخفيض الدعم، سياسة تتبعها الدولة منذ فترة طويلة، وسن ضريبة القيمة المضافة هو اتجاه منذ 3 سنوات، بالإضافة إلى أن وقف الزيادة بأجور العاملين بالدولة هو هدف تسعى له الدولة منذ فترة طويلة.

 بعيداً عن فكرة "شروط البنك الدولي" يجب أن نحاسب حكومتنا على برنامجها وخطتها، ونقرر البرنامج بحيادية، وما إذا كنا  سنقبل به أم لا؟

ومن ناحية أخرى فإن اللجوء للبنك الدولي ليس لقيمة الـ 3 مليار فحسب، ولكن في قيمة المعونة الفنية المُصاحبة، فمثلًا يعني لو كان القرض لتمويل القطاع الصناعي،  يُرسل البنك خبراء في التنمية الصناعية، مزودين بدراسات عن تحديث المناطق الصناعية بأنحاء الجمهورية وكل قطاع له الفنيين الخاصية، وتعد هذه الميزة الرئيسية للقرض.

بالإضافة إلى أن قروض البنك الدولي تتميز بفائدة رخيصة جدًا،  حيث لا تزيد 1.5%، عكس القروض التجارية والتي تصل فائدتها لـ 6.5%، كما أن فترة سماح قروض البنك الدولي تصل لـ 4 سنوات.

ويجب الإشارة إلى أن قروض المؤسسات الدولية هي إشارة للمؤسسات الدولية بالنمو الاقتصادي لمصر.



ما تقييمك لقانون الاستثمار؟ وهل راعى توزيع ثمار "الاستثمار" على الشعب؟

لم يُراعي توزيع ثمار الاستثمار على الشعب، كما أنه لم يُراعي تحقيق المصلحة التي يستهدفها، وأنا شخصيًا أعتبره أسوء قانون اقتصادي "عدّى عليا".

القانون تم إعداده حتى يظهر للمستثمرين قبل المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد بشرم الشيخ خلال العام الماضي، كرسالة من مصر للعالم أننا مُقبلين على مرحلة جديدة، والدولة تفتح ذراعيها للاستثمار.

الحل الوحيد للتعامل مع القانون، إلغائه تماماً وليس تعديله، ونعود للنظام الاستثماري السابق، مع العلم أني كنت ضده تماماً، ولكنه أفضل من القانون على أية حال.

القانون لم يُضف أي جديد  لمناخ الاستثمار سوى مزيد من التخبط، واضطراب شديد خاصة فيما يتعلق بتوزيع الأراضي على المستثمرين.

بالإضافة إلى ذلك، القانون أعطى هيئة الاستثمار الصلاحية الوحيدة لتوزيع أراضي الدولة، وهو أمر مستحيل الحدوث وغير قابل للتحقيق، رغم وجود مفاوضات بين هيئة التنمية الصناعية وهيئة التنمية السياحية لتمكين هيئة الاستثمار من أن تكون الوحيدة المسئولة عن تخصيص الأراضي للمستثمرين.

وكيف يُتيح القانون فتح باب توزيع الأراضي على المستثمرين بالقرعة؟! وبالمجان؟! وسيلة القرعة تصلح إذا كان يتم توزيع شئ صغير القيمة بشروط مماثلة، مثلا 100 ألف وحدة سكنية لمحدودي الدخل، يتقدم 200 ألف شاب تنطبق عليهم جميعاً الشروط، يتم عمل قرعة، يتم قبول نصفهم ويتأجل النصف الآخر للفرصة التي تليها.. في هذه الحالة القرعة واردة.

لكن القرعة في الأراضي للمستثمرين، لا تجوز بأي حال، هناك أراضي تصلح لإنشاء مصنع، وغيرها على الشواطئ، وغيرها تصلح للزراعة، ما يتم طرحه للقرعة في هذه الحالة غير متشابه، كما أن المُتقدمين للقرعة كل منهم لديه إمكانيات تختلف عن الآخر.

هذا غير مقبول، يجب تحديد شروط للمتقدم للقرعة على شيء متشابه، وإما أن تتوافر فيه الشروط وإما لا، كما أن توزيع الأراضي بالمجان على المستثمرين غير عادل، وهو شيء غير مقبول، بالمجان يعني أن الشيء بلا قيمة، وهذا غير صحيح.

وطالما هناك منافسة على نفس الشيء، وكل فرد وضع له قيمة فرضية، هذا يعني أنه ذو قيمة حقيقية، يجب استغلالها.

مصر وعدت العالم كله بأن كل التراخيص الخاصة بالاستثمار، سيتم الحصول عليها من مكان واحد، وهذا لم يتحقق، تحقيق تلك الوعود ليس بهذه البساطة، لأن حقيقة الوضع أكثر تعقيداً من الوعود التي قدمناها. 

اجتهدنا خلال المرحلة السابقة للحصول على استقلالية هيئة الاستثمار، ليأتي القانون لاغياً تلك الاستقلالية، ليرأس الهيئة وزير الاستثمار، ويتحول رئيس الهيئة، لمدير تنفيذي، ويضم مجلس الإدارة حكوميين، الأمر الذي يُلغي استقلالية الهيئة تمامًا، وهو رجوع للخلف.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم