عبد العظيم حماد يكتب: جرح دولة يوليو النازف أو النصف المفقود في حكم الضباط كضرورة

الأحد , 23 يوليه 2017 , 03:40 م آراء ورؤى


عبد العظيم حماد


لم يكن الكاتب الصحفي الراحل، الأستاذ محمد حسنين هيكل، هو مبتكر نظرية "مرشح الضرورة" ، عندما تحدث عن حتمية ترشح المشير عبد الفتاح السيسي لرئاسة مصر في أعقاب سقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين، ولا عندما كتب فى مؤلفه "سقوط نظام" أن السلطة السياسية فى مصر قبل يوم 23 يوليو 1952 كانت ملقاة على قارعة الطريق، بسبب تفسخ النظام الملكي، ولما لم يتقدم أحد لالتقاطها كان استيلاء الضباط عليها هو الحل الحتمي لإنقاذ البلاد، فهذه النظرية، أي نظرية ضرورة استيلاء الجيش على السلطة في البلاد العربية - في ظروف معينة - كانت منتشرة بقوة في جميع الكتابات السياسية الأوروبية والأمريكية حول المنطقة العربية، بعد الحرب العالمية الثانية.

مثلًا يقول دكتور دانكوارت روستو فى كتاب له بعنوان "العسكريون في مجتمعات وسياسات الشرق الأوسط": "إن حكم الضباط في الدول العربية هو استمرارية تاريخية، فقد كان الشرق الأوسط أكثر مناطق العالم عرضة للغزو العسكري عبر التاريخ، ومعظم دوله قامت نتيجة للفتوحات، وكان للأعمال العسكرية دور كبير فى معظم التغيرات التى طرأت على نظم هذه البلاد، والثقافة التقليدية للمنطقة مستمدة من دين يضفي على العسكرية هيبة وشرعية، كما أن الجهود التي بذلت لتحديث الثقافة التقليدية عززت الدور القائد للقوات المسلحة ورجالها".

بالطبع يجب رفض هذا التحليل من روستو وأمثاله؛ لأن دول أوروبا أيضًا ظلت طوال تاريخها منذ حروب اسبرطة وأثينا عرضة للغزو العسكري، مرورًا بالإسكندر المقدوني، وأباطرة الرومان وشارلمان والجرمان والقوط والوندال والنورد، ثم الحروب الدينية، وحرب السنوات السبع، والحروب النابليونية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، وغيرها من الحروب الأصغر قليلًا والأصغر كثيرًا، ولأن الفتوحات فى الشرق الأوسط كانت تتحول إلى دول متكاملة البنيان المدني والعسكري، بشروط ذلك العصر، مثلما حدث فى أوروبا أيضًا، بل إن دولة محمد علي المصرية التي يضرب بها المثل كثيرًا على حتمية الدور السياسي المهيمن للجيش على المجتمع هي نفسها تحولت إلى دولة يقودها المجتمع المدني، وذلك منذ إلغاء نظام الاحتكار عام 1840، ذلك النظام الذي كان الباشا بموجبه هو المالك الوحيد لاطيان مصر الزراعية، وهو التاجر الوحيد، وهو أيضًا الصانع الوحيد، ثم جاءت اللائحة السعيدية عام 1858؛ لتلغي نظام الالتزام الزراعي، وتستبدله بنظام الملكية الخاصة، فيترسخ الأساس الإقتصادي لاستقلال المجتمع عن هيمنة الجيش من خلال طبقة كبار الملاك، وليلتحق بهم علماء الأزهر والتجار والمهنيون والحرفيون، والملاك المتوسطون والصغار، فيقبع الجيش في ثكناته، أو ينشغل بمهامه الحربية كفتوحات الخديوي إسماعيل في إفريقيا.

وحتى عندما تدخل الجيش في السياسة في أحداث الثورة العرابية، فقد كان العرابيون جناحًا عسكريًا لحزب مدني قوي، هو الحزب الوطني الأول، يتبنى مطالب مدنية بحتة، كالنظام البرلماني، وإقالة الوزارة الخاضعة للنفوذ الأجنبي، ويضع أول تعريف حداثي للمواطنة، فيقرر في مؤتمر مدني كبير أن المصري هو كل من يحرث أرض مصر، أو يتنفس هواءها، دون تمييز على أساس الدين أو العرق، أو اللون.

وقد ظل المدنيون هم الذين يقودون الحياة السياسية تحت سلطة القصر الخديوي أو السلطاني أو الملكي، التي كانت بدورها سلطة مدنية حتى استيلاء ضباط يوليو 1952 على السلطة، أي أن المدنيين حكموا دولة محمد علي في مصر مائة عام متصلة، فكيف يكون الحكم المدني استثناء، وحكم الجيش هو القاعدة؟!.

مع ذلك كله فإن روستو الذي سبقت الإشارة إليه، وكل منظري الضرورة التاريخية لحكم الضباط، أو نظرية المسلك الطبيعي التي تعتبر هذا الحكم هو الحتمية التي تفرضها طبيعة الأمور في ظروف الاضطرابات الداخلية أو المخاطر الخارجية، كل هؤلاء يعترفون "بأن النجاح النهائي للنظام العسكري يعتمد على قدرته على إقامة، أو السماح بإقامة مؤسسات مدنية دستورية تحد مستقبلًا من التدخلات العسكرية، وباختصار إقامة نظم سياسية لاتتحول مؤسساتها إلى أبواق، وهياكل ديكورية".

إن هذا الشرط هو النصف المفقود فى تجربة حكم الضباط فى مصر، وفي كل بلدان الشرق الأوسط تقريبًا، سوريا والعراق والجزائر والسودان وليبيا وغيرها، وفي حالة مصر فإن غياب هذا الشرط أى إقامة مؤسسات مدنية ودستورية تحد من هيمنة الضباط كان هو دائمًا جرح نظام يوليو 1952 النازف، ولا يزال هذا الجرح نازفًا بخطورة أكثر في النسخة الحالية من نظام يوليو 1952حيث لايوجد أي تنظيم سياسي مدني له دور، مهما يكن هذا الدور محدودًا، على غرار الاتحاد الاشتراكي العربي فى نسخة جمال عبد الناصر من نظام يوليو، أو الحزب الحاكم في نسختي أنور السادات وحسنى مبارك، ومن ثم فقد انعدم الحوار كلية في المجتمع، وفقد البرلمان أية اجتهادات حقيقية، وهو ما يحدث أيضًا في الصحف، وغيرها من وسائل الاتصال الجماهيري.

لقد كان غياب المؤسسات المدنية و الدستورية هو سبب كل النكبات التي حلت بنظام يوليو فى مراحله المختلفة و بمصر معه، وعلى الرغم من ذلك فإن احدى أكبر غرائب و مفارقات هذا النظام أن اللاحقين لايتعلمون من أخطاء السابقين، فيكررونها بحذافيرها، بل ويضيفون إليها أخطاء جديدة، كما سبق أن ذكرنا توا من أن النظام الحاكم حاليًا في مصر قد قضى قضاء مبرمًا على كافة مظاهر العمل السياسي، التي كان بعضها متاحًا في العهود السابقة عليه، مع أنها لم تكن كافية أو مقنعة، فهل تكرار أخطاء الماضي والإضافة إليها هو أيضًا ضرورة، ومسلك طبيعي؟!.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*