مصطفى البرغوثي يكتب: ملحمة شعب عظيم وقضية أعظم

الخميس , 03 أغسطس 2017 , 04:12 م آراء ورؤى


مصطفى البرغوثي


ما عشناه يوم الخميس الماضي في القدس والمسجد الأقصى ومحيطه، كان ملحمة إنسانية، دينية، وطنية وتاريخية، ورأينا الإرادة الشعبية التي صنعت انتصار الأقصى في أبهى صورها، ورأينا المقاومة الشعبية تُمارَس، وتكافح، وتنتصر، بأسلوب نموذجي يحتذى به.

فبعد 14 يومًا من إنتفاضة القدس الشعبية كُسِرَ نتنياهو وحكومته أمام إرادة المقدسيين، واضطر أن يسحب ويزيل بواباته الإلكترونية وكاميراته، وممراته الحديدية، وأقواسه التجسسية.

وعندما أعلنت المرجعيات الدينية والوطنية دخول الأقصى في موعد صلاة العصر، قام الاحتلال بمناورته الأخيرة بإغلاق باب حطة، فهب الآلآف رافضين الدخول حتى يُفتح الباب، وقبل موعد الصلاة بدقيقتين اضطر الاحتلال تحت الضغط الشعبي لفتح الباب.

ومع ذلك، وأثناء دخولنا إلى الأقصى عبر ممر باب حطة بدأ الجيش بإلقاء القنابل الصوتية بكثافة، وأطلق جنوده الرصاص المعدني فجرح كثيرون ولكننا وصلنا، وأقيمت الصلاة في الأقصى لأول مرة منذ 14 يومًا.

وبعد صلاة العصر عاد جنود الاحتلال إلى محاولة تدنيس المسجد الأقصى ونزع علم فلسطين فاشتبك معهم المصلون، وانتهى الأمر بأكثر من 100 جريح ومصاب.

ومع ذلك بقينا في الأقصى، وأقيمت صلاة المغرب وصلاة العشاء بحضور عشرات الآلآف، واعتصم آلاف الشبان والشابات ممن مُنِعوا من الدخول، مرة أخرى، وتحدوا قوات الاحتلال في باب الأسباط وباب حطة.

رأيت في عيادة المسجد الأقصى شُبانًا مقدسيين بواسل مصابين بكسور وجروح، وعالجنا شبابًا من الضفة الغربية تسلّقوا الأسوار وتدلوا بالحبال حتى يصلوا إلى الأقصى، وجائوا بجروح عميقة في كفات أيديهم نتيجة استعمال الحبال في التسلق والهبوط.

شاهدنا شيوخًا يبكون فرحًا بالعودة للأقصى، ونساءً باسلات وقفن في وجه جنود الاحتلال، وأطفال شاركو أهلهم رحلة الوصول الى الأقصى، وفي آخر الليل بعد صلاة العشاء، التقينا بطفل لم يتجاوز عمره 9 أعوام اعتقله الإسرائيليون من ساعات الصباح حتى المساء، بتهمة رشق الحجارة، ولم أره خائفًا أو واجلًا، بل كان يبتسم وفي عينيه بريق الفخر، ومن حقه ومن حق أهل القدس، ومن حقنا أن نفتخر، فما قُدِّم في هذه الأيام الـ14 بات نموذجًا يُحتذى في المقاومة الشعبية.

وما حققه المصلون والمتظاهرون من وحدة ميدانية، ووحدة في القرار والإرادة، كان نموذجًا يجب أن يستفيد منه كل من يحرص على إنهاء الإنقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، وما صنعه الفلسطينيون من تضامن فاق كل خيال، ولم تخلُ ساحات الصلاة والاعتصام لحظة من المتبرعين بزجاجات المياه، وحاملي الطعام للمعتصمين، وموزعي الحلوى من كل صنف، وكله من أهل المدينة الذين لم ينتظروا تبرعًا أو تمويلًا من أحد، بل أصابوا جنود الاحتلال بالذهول من حجم تكاتفهم وتضامنهم وكرمهم، كما لم ينتظروا قرارات أو ارشادات لِما يجب أن يفعلوه، بل انتزعوا زمام المبادرة بأيديهم وطبقوا المثل الشعبي "ما حك جلدك مثل ظفرك".

وعندما لجأ المحتلون في صلاة الجمعة إلى محاولة تجزئة المصلين بمنع الشباب المقدسيين، وعدد مِنّا من الدخول للأقصى اتسع المسجد ليشمل كل مدينة القدس وتحولت شوارع القدس ومحيط الأقصى مرة أخرى إلى ميادين كفاح تعج بآلاف المصلين الذين أصرّوا، بنظام وانضباط مذهل، على ابقاء زمام المبادرة بأيديهم وأفشلوا استفزازات الاحتلال المتعطش للدم بعد هزيمته، وما ان اقترب المغرب حتى أُجبر على فتح بوابات الأقصى ليدخل الجميع مهللين مكبرين.

عندما طلب مني القاء كلمة في المسجد الأقصى بعد صلاة المغرب يوم الخميس، قلت: "الشكر بعد الله تعالى أولا للمقدسيين والمقدسيات الذين قبضوا على الجمر وصمدوا وانتصروا، ولم ينتظروا أحدًا، بل اندفعوا للمواجهة بكل قوة، والشكر ثانيًا لرجال الدين المسلمين الأفاضل الذين قدموا مرجعية وطنية ودينية فحققوا وحدة العمل والكفاح، وكانوا قدوة في تقدم الصفوف، ويشمل ذلك رجال الدين المسيحيين الذين وقفوا إلى جانب اخوتهم المسلمين في السراء والضراء".

والشكر لأهلنا وأبناء شعبنا في الداخل الذين هبوا لمساندة الأقصى والقدس، ولكل من استطاع من أهل الضفة اجتياز الحواجز والجدران، ووصل لنصرة القدس والأقصى، ولكل أبناء الشعب الفلسطيني الذين انتفضوا في الضفة وغزة فواجهوا المحتلين مقدمين الإسناد لأهلهم في القدس، وللصحفيين والإعلاميين الذين استبسلوا في نقل ملحمة النضال الشعبي للعالم، وأصيب العديد منهم بالرصاص والقنابل الصوتية والضرب، وللأطباء والمسعفين البواسل الذين خاطروا بحياتهم وهم يسعفون الجرحى والمصابين.

وفي الخلاصة فان نموذج الأقصى والقدس كان خير تجسيد للمقاومة الشعبية التي طالما سعينا لها، وأظهر قوة الشعب عندما تفعل.

ولعل ذلك يقنع الجميع بضرورة تبني استراتجية ونهج جديد يبتعد عن تكرار ما فشل، ويركز على تغيير ميزان القوى بالمقاومة والكفاح الشعبي، وبالمقاطعة وفرض العقوبات، وبالوحدة ودرء الانقسامات، وبتعزيز صمود الفلسطينيين على أرض وطنهم، وإعادة بناء التكامل بين مكونات الشعب الفلسطيني، لكن انتصار القدس والأقصى هو فصل مجيد، في معركة أكبر، ما زالت مستمرة للخلاص من الإحتلال بكامله، وللتحرر من منظومة الأبارتهايد والتمييز العنصري، ولتحقيق الحرية المنشودة لكل الفلسطينيين.

هذه ملحمة القدس وهذه رسالتها.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*