فريد زهران يكتب: حول اللحظة السياسية الراهنة ومستقبل القوى الديمقراطية في مصر (لحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي نوذجا) (2)

الأحد , 06 أغسطس 2017 , 11:30 ص آراء ورؤى


فريد زهران


استعرضنا في مقال سابق مواقف وممارسات السلطة والبدائل التي تطرحها القوى الديمقراطية والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي من خلال أربع محاور، وهي بالتحديد: المحور الاقتصادي الاجتماعي، والمحور الخاص بالإرهاب، والمحور الخاص بالتفريط في جزيرتي تيران وصنافير، وأخيرًا المحور الخاص بالاستبداد السياسي، وانتهينا إلى سؤال يتعلق بماهية التوقعات المحتملة في الفترة القادمة، ولكي ننجح في الإجابة على هذا السؤال علينا أن نستعرض الملامح الرئيسة التي تشكل في مجملها الخطوط الرئيسية للمشهد السياسي الآن، ويمكننا القول في هذا الصدد أن أهم هذه الملامح هي:

الأولى: أن شعبية السلطة تتراجع، ونحن نقصد بذلك لا شعبية الحكومة التي تعتبر في الأحوال العادية كبش فداء يمكن التضحية به، ولكننا نقصد شعبية الرئيس السيسي نفسه، وتتناقص شعبية السيسي بسبب حزمتين من الأسباب؛ الأولى تتعلق بالأسباب الاقتصادية والاجتماعية، وافتقاد الأمن وبالذات عقب العمليات الإرهابية الكبيرة، وتؤدي حزمة الأسباب هذه إلى تناقص شعبية الرئيس داخل الطبقات الفقيرة والوسطى أيضًا، بالذات الشرائح الدنيا والوسطى منها، أما الحزمة الثانية، من الأسباب، فتتعلق بالاستبداد السياسي والتفريط في التراب الوطني وتؤدي هذه الحزمة إلى تناقص شعبية الرئيس داخل النخب الديمقراطية على اختلافها.

الثانية: أن هناك دلائل جدية على أن السلطة ممثلة في شخص الرئيس السيسي تتمسك بمواقفها وتحاول فرض إرادتها بالكامل بصرف النظر عن اتساع دوائر المعارضة أو حدتها، وهي تفعل ذلك بدون حتى أن تتشاور مع دوائر النخب والجماعات الحاكمة نفسها مستندة في ذلك على يقين لا يتزعزع بأن ما تفعله بالتأكيد هو لمصلحة البلاد والعباد.

الثالثة: ما حدث من معارضة لاتفاقية التفريط في تيران وصنافير يؤكد أن دوائر المعارضة لبعض التوجهات الرئيسية للسلطة تتسع بشكل لافت، حتى أنها أصبحت تتسع لحوالي 120 نائب في البرلمان وعدد بارز من القيادات العسكرية السابقة، وهو أمر قد يشير بأن بعض هذه الدوائر تستند في اتخاذ هذه المواقف على معلومات أو إحساس بأن هذه القضية تحديدًا، وربما قضايا أخرى أيضًا، ليست موضع إجماع داخل النخب الحاكمة.

الرابعة: أن السلطة أصبحت مع مرور الوقت تستند بصورة أكبر على القمع وحده إلى جوار ما يمكن تسميته بـ الإعلام "الإعلاني"، فعلى الرغم من سيطرة السلطة المباشرة على وسائل الإعلام الرئيسية الحكومية، والخاصة أيضًا إلى حد كبير، إلا أنها لا تعتبر كل ذلك كاف، وتلجأ إلى إعلانات مدفوعة الأجر لكي تصل بخطابها أو رسالتها الإعلامية إلى الجمهور، ويحدث ذلك بعد أن تراجع عدد كبير من أنصار السلطة عن تقديم يد العون لها، وفقد ما تبقى منهم مصداقيته، ومن المتوقع في ظل غياب أي خطاب عقلاني، وبالتالي أنصار محتملين، أن يتزايد اعتماد السلطة على الإعلانات الإعلامية" والقمع، ومن المقدر أن تتسع الدوائر التي سيتوجه لها هذا القمع.

الخامسة: القوى الرئيسية التي يمكن أن تستفيد من تصدع بني النظام الراهن هي قوى الإخوان الكامنة "يمكن في بداية أي تحرك للإخوان أن يصطف معهم جناح من السلفيين وإذا اتسعت تحركات الإخوان وبدا أنها تحقق نجاحًا ما سيصطف معهم أغلب السلفيين"، وكذا قوى "جماعة" أو "طغمة" أو "عصابة" مبارك التي يحتل الكثير منهم، وبالذات الصف الثاني التكنوقراطي، مناصب متنوعة داخل جهاز الدولة الآن، وأيضًا يتحرك بالفعل بعض رموز هذه "الجماعة" في المجال العام بحرية كاملة في الفترات الأخيرة، بل وتتزايد شعبية بعضهم على نحو ملحوظ، وتستطيع هذه "الجماعة" عبر شبكة معقدة من المصالح القائمة والمستمرة، أن تحرك، وفي لحظات جد حرجة، وباستخدام أموال جد طائلة، مجموعات من البلطجية و"الأرزوقية" .

السادسة: أن مجال الحركة أمام الأحزاب بصفة عامة، والمعارضة بصفة خاصة، قد بات جد محدود فى ظل التأجيل المستمر لانتخابات المحليات والنقابات العمالية واتحادات الطلبة، وحرمان الأحزاب من تنظيم أي فعاليات جماهيرية أو احتجاجات سلمية، وحرمان قيادات الأحزاب المعارضة تحديدًا من الظهور في الإعلام، والتضييق على نواب المعارضة في إبداء وجهة نظرهم تحت قبة البرلمان، وتعرض أعضاء وقيادات الأحزاب إلى الحبس وتلفيق التهم لهم دون أي سند أو دليل، وهكذا أصبحت الأحزاب أسيرة مقراتها، وقدرتها على التأثير والحركة تكاد لا تذكر.

السابعة: أن هناك مؤشرات وأنباء عن وجود قنوات اتصال مفتوحة بين السلطة والإخوان، وهناك اتفاقات تمت بالفعل بينهما وأخرى محتملة، وكالمعتاد، ومثلما حدث عبر محطات تاريخية سابقة، يسعى كل طرف منهما لاستخدام الطرف الآخر، ويحقق كلاهما هدفه بدرجة ما تتوقف على ميزان القوى في هذه اللحظة أو تلك، ويبدو واضحًا الآن، في هذه اللحظة، أن عملية المصالحة القائمة الآن ستكون بصفة عامة في صالح السلطة أكثر مما هي في صالح الإخوان، لكنها قد تنقلب لصالح الإخوان عبر أي منعطف سياسي حاد.

الثامنة: أن الاتجاه الرئيسي داخل المزاج العام الرافض لسياسات السلطة ومواقفها لا يزال يرى أن أي تحركات شعبية في الشارع قد تفضي إلى فوضى وانعدام أمن، بل وقد تؤدي إلى عودة الإخوان إلى صدارة المشهد، ومن ثم فإن هذا الاتجاه لا يزال رافض لأي تحركات جماهيرية واسعة، وترى أغلبيته، وهذه نقطة مهمة جدًا، أن انتخابات رئاسة الجمهورية قد تكون هي الأداة الآمنة والممكنة للتغيير.

التاسعة : أن "قوى الثورة" أو بتعبير آخر "قوى التغيير الديمقراطي"، هي قوى جد ضعيفة، فهناك عدد لا يستهان به من الشباب الثوري والواعد أسرى السجون، أما الأغلبية الساحقة من شباب الثورة فيمكننا القول أنهم أسرى الإحباط والقرف، ومنهم من خرج من البلاد، ومنهم من انكفأ على نفسه، وفي كل الأحوال فإنهم لم يكتفوا بعدم المشاركة في أي مؤسسات سياسية أو مدنية تسعى إلى التغيير، بل إنهم، ومن فرط الإحباط واليأس، جرموا العمل في هذه المؤسسات واكتفوا بتوجيه النقد للجميع من خلال منصات السوشيال ميديا التي تمجد وتجسد النضال من خلال السوشيال ميديا، وهو نضال فردي لا يستطيع تحقيق أي تراكم ولا تحقيق إلا قدر معقول من التنفيس عن حالة غضب عارمة عندما يأتي أوان انفجارها ستكون النتائج جد وخيمة، إذ ليس من المقدر أن تنجح قوى الغضب العارمة هذه في المساهمة في عملية بناء عمل جماعي منظم يستطيع أن يمسك بزمام عملية تغيير ناجحة، ومن ثم فإن هذه القوى الغاضبة، على الرغم من نبل مقاصدها، قد تكرر، بكل أسف، عند انفجارها، نفس ما حدث في 25 يناير: تضحيات بالغة، وأهداف نبيلة، وإنجازات جد محدودة لن تثير لديهم إلا الإحباط واليأس مجددًا، يمكننا القول بكل أسف أن هؤلاء الشباب، أن هذا المُنتج الرئيسي لثورة 25 يناير، غائب الآن وغير حاضر بنفس قوة حضوره في الثورة وفي المجتمع، ومن ثم فإن الأحزاب والقوى الديمقراطية التي لم تنجح إلا في استقطاب أعداد قليلة من هؤلاء الشباب هي أحزاب ضعيفة ومحدودة التأثير، وقد زاد من ضعفها كثيرًا ما تتعرض له من حصار وقمع، ومن ثم فإن قدرتها على أن تشكل بديل حاضر وملموس تبدو محدودة جدًا، وهو الأمر الذي يجعلنا نؤكد مرة أخرى على أن قوى الإخوان، مدعومة بالسلفيين، وكذا قوى "جماعة" مبارك، مدعومة بالأموال المنهوبة، قد تكون بكل أسف هي القوى الأكثر قدرة، وبفضل ممارسات السلطة ومواقفها، على أن تكون البديل الأكثر جاهزية كبديل، أو حليف، للسلطة الحالية إذا وصلت البلاد إلى أي منعطف سياسي حاد.

والآن وعلى ضوء هذه الملامح الرئيسية للمشهد السياسي الراهن، ما الذي نتوقعه في الفترة القادمة؟ هذا ما سنحاول أن نجيب عليه في المقال التالي.

* هذه المقالات عبارة عن تقرير تقدمنا به لأعضاء الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بصفتي رئيسًا للحزب، وبعد استئذان أعضاء المكتب السياسي قررت أن يتم نشره على أوسع نطاق ممكن للحوار حول ما تضمنه من أفكار وأراء.


 


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*