فريد زهران يكتب: حول اللحظة السياسية الراهنة ومستقبل القوى الديمقراطية فى مصر (لحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي نوذجًا) (3)

الخميس , 31 أغسطس 2017 , 12:15 م آراء ورؤى


فريد زهران


رسمنا فى المقال السابق ومن خلال تسعة ملاحظات ما اعتبرناه الملامح الرئيسية للمشهد السياسى الراهن، لكي نتمكن من توقع التغيرات التي يمكن أن تحدث فى الفترة القادمة، وإجمالاً فإن هذه الملاحظات تضمنت انخفاض شعبية السلطة، وإصرارها على المضي قدمًا فى نفس المسارات التى أدت إلى انخفاض شعبيتها، وعدم اهتمامها بالتشاور مع المعارضة أو مع بقية دوائر النخب الحاكمة، مما يعنيه ذلك من تركز للسلطة فى أيدي مجموعة محدودة ستستند على القمع بشكل متزايد، فيما تظل قوى الإخوان و"جماعة" مبارك هى القوى الكامنة الأكثر جاهزية فى ظل الضعف المتزايد للقوى الديمقراطية نتيجة تضييق المجال العام، وفى ظل استمرار تخوف نسبة كبيرة من الجمهور من أن اندلاع أى تحركات شعبية قد يفضي للفوضى، وأيضًا فى ظل انصراف الشباب الثوري عن المشاركة نتيجة السجون أو الإحباط.

وانطلاقًا من هذه الملاحظات يمكننا القول أننا نتوقع، وعلى المدى القصير، ونقصد بالمدى القصير هنا الفترة التي تبدأ الآن وتنتهي مع انتخابات الرئاسة في 2018، وربما على المدى المتوسط أيضًا، ونقصد بالمدى المتوسط هنا الفترة الممتدة من انتخابات الرئاسة في 2018، وحتى ما قبل انتخابات الرئاسة في 2022، أن حدة الاستقطاب في المجتمع السياسي من المقدر أن تتزايد، وتركز السلطة في أيدي جماعة محدودة من المقدر أن يتزايد، واتساع حجم المعارضة للنظام من المقدر أن يتزايد، وقمع السلطة، للأحزاب والقوى الديموقراطية، من المقدر أن يتزايد، ومساحة العمل السياسي، بل ومساحة العمل العام بكل مكوناته، من المقدر أن تنحسر، أو بالأحرى تكاد تتلاشى. 

أما على المدى المتوسط والطويل، فأن عوامل السخط التي تتجمع وتتراكم مع عدم وجود أي آليات سلمية وآمنة للتغيير ستفضي حتمًا إلى تغيير "انقلابي" أو "تغيير مفاجئ" أو "تغيير انفجاري"، وقد تنجح الدائرة الرئيسة للحكم في تجنب هذا النوع من التغيير من خلال اتخاذ إجراءات احترازية فتستجيب لبعض المطالب والضغوط وتغير بعضًا من أبرز وجوه السلطة، وذلك بالاتفاق فيما بينها، ومن المقدر أن يتم ذلك سواء برضاء كل الأطراف أو بإجبار بعض الأطراف، وبالذات الأطراف التي سيتم استبعادها، وسواء تم التغيير قبل الانفجار أو أثناء أو عقب الانفجار فمن الممكن أن يعود الإخوان و"أو" "الفلول" إلى صدارة المشهد السياسي، عند أي منعطف سياسي حاد "ومرة أخرى : نقصد بذلك أى تغيير وقائي أو احترازي أو تغيير مفاجئ أثناء أو عقب انفجار شعبي" وهذه العودة على الأرجح ستكون من خلال بناء تحالف أو عقد صفقة مع بعض رموز السلطة الحالية، ويظل هناك احتمالًا ضئيلًا ولكنه مهم ووارد، وهو أن تحالف هذه الرموز مع ما يمكن أن يكون قد تبقى من القوى الديمقراطية، وفقاً للسيناريو الأول: تحالف بعضًا من رموز السلطة الحالية مع الإخوان سيكون التغيير فى اتجاه بناء دولة تمزج بين نموذج الدولة الدينية الإخوانية، وإن بصورة أكثر اعتدالًا، وما بين نموذج دولة 1953م التى كانت دولة مبارك، وكذا دولة السيسي، طبعات مختلفة لنفس النموذج، ورغم أن هذا التحالف، بصفة عامة، هو تحالف معادي لأى تحول ديمقراطي إلا أن أيامه الأولى ستشهد نوعًا من الانفراج الديمقراطي، ستفرضه ضرورات امتصاص قوى الغضب التى ستكون على وشك الانفجار، أو انفجرت بالفعل، وسيعطي هذا الانفراج فرصة ربما لبضعة سنوات لنشاط سياسى ديمقراطي قد يثبت أقدام القوى الديمقراطية على الأرض، ولكن ينبغى أن نشير هنا إلى أن أهم ما يعيق احتمال تحقق هذا السيناريو ليس حالة العداء الكبيرة التى حصلت نتيجة الصدام بين السلطة الحالية والإخوان فحسب، فلقد تكرر ذلك من قبل وعادا للتحالف مجددًا، ولكن ما يعيق هذا الاحتمال فعلًا هو أن فشل هذا التحالف فى المرة الأخيرة لم يكن أمرًا يخص الطرفين مثلما حدث من قبل، لكنه كان يخص الجمهور الواسع الذى راقب أداء الإخوان وانزعج منهم جدًا، وما عاد من السهل عليه أن يقبل بهم مرة أخرى.

أما وفقًا للسيناريو الثاني: فإن التحالف بين بعض رموز السلطة الحالية و"جماعة" جمال مبارك بالمعنى السياسي -الاقتصادى الواسع للكلمة، معناه على الصعيد الاقتصادى بناء اقتصاد سوق وفقًا لإملاءات "الرأسمالية المتوحشة"، وجدير بالذكر هنا أن السلطة الحالية قطعت، وحتى الآن، الشوط الرئيسي فى هذا الاتجاه، أما على الصعيد السياسي فمعناه إجراء الكثير من الإصلاحات الإدارية مع تلطيف حدة الاستبداد جنبًا إلى جنب مع "تلطيف حدة الفقر"!!.
ويمكننا القول أن ما يعيق هذا السيناريو هو عدم وجود شعبية ما للطرفين يمكن البناء عليها، بالإضافة إلى أن الأمر قد يكون فى حاجة، بعد تنفيذ كامل "برنامج الرأسمالية المتوحشة" إلى نظام اقتصادي أكثر إنجازًا للفقراء من مجرد سياسة الصندوق التى تستهدف "تلطيف حدة الفقر"!!
وأخيراً وفقاً للسيناريو الثالث : فإن التحالف بين بعضًا من رموز السلطة الحالية وما تبقى من القوى الديمقراطية من الممكن أن يفضي إلى مرحلة من التحول الديمقراطي والإصلاح الاجتماعي، باعتبار ذلك قد يكون المخرج الوحيد من سيناريوهات ستعيد إنتاج الأزمة مجددًا من طبعة سيئة إلى طبعة أسوء.

بناء على ما تقدم، على المدى القصير والمتوسط، وفي ظل التضييق على المجال العام وانحسار أي إمكانية للعمل السياسي "الشرعي"، تدفع الأحزاب دفعًا إلى أحد احتمالين:

- تقديم تنازلات للسلطة المرة تلو الأخرى بحيث تتماهى هذه الأحزاب مع السلطة وتصبح زيلًا أو تكاد، وهو ما قامت به بالفعل بعض الأحزاب وفقدت جراء ذلك كل مصداقيتها ومبرر وجودها نفسه.
- التحول إلى حلقة ثورية راديكالية، فالأحزاب التى تحاول الحفاظ على مصداقيتها ونقاء مواقفها، تُدفع دفعًا نتيجة لممارسات أجهزة الأمن، وما تتعرض له من قمع إلى اتخاذ مواقف راديكالية وصدامية، مما يدفع بالتيارات المعتدلة داخل هذه الأحزاب، والراغبة فى عمل سياسي آمن، وبدون تكلفة فادحة من حرية الأعضاء أو من أرزاقهم، إلى الابتعاد عن الأحزاب، ومع الوقت قد تتحول هذه الأحزاب وبعد حبس عدد قليل من أعضائها وقياداتها، وانسحاب عدد أكبر بكثير من أعضاءها وقياداتها، إلى حلقات ثورية راديكالية هامشية لا تأثير لها.
 
الحزب الآن، بل والأحزاب السياسية كلها، فى مفترق الطرق، والأمر المؤكد هو أن حزبنا، الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي لن يتخلى عن مواقفه وسيحافظ على مصداقيته حتى النهاية، ولن يتماهى مع السلطة، ولن يتحول إلى تابع أو زيل لمواقفها وسياساتها، ومن ثم فإن السؤال المطروح ببساطة هو: هل يمكننا، وبوصفنا حزب ديمقراطي اجتماعي شرعي ويعمل فى ظل الدستور ونعتبر أنفسنا جزء من مؤسسات الدولة المصرية، ولسنا جماعة ثورية راديكالية تعمل خارج الدستور وتهدف إلى تقويض أركان الدولة، هل يمكننا أن نستمر فى العمل والحركة فى ظل الأوضاع الراهنة ؟!
هل هناك أصلًا مجال مفتوح للتحرك والتأثير فى ظل التأجيل المتكرر لانتخابات المحليات والنقابات واتحادات الطلاب، وفى ظل أجواء استبدادية تشي بانتخابات رئاسية، أو أى انتخابات أخرى قادمة، أسوء من الانتخابات البرلمانية السابقة التى شابها الكثير من التجاوزات والانتهاكات؟!
هل سيتحول حزبنا، والأحزاب المعارضة، إلى مجرد منصة لإصدار بيانات لا تجد طريقها إلى إعلام واسع الانتشار؟ هل سنتقبل أن يكون دورنا الوحيد الممكن والمتاح هو تقديم الدعم والمساندة للزملاء والمناضلين المحبوسين؟
الأمر لا يتعلق بمدى استعدادنا، وأقصد استعدادنا جميعًا وليس مجموعة منا فحسب؛ لتقديم تكلفة فادحة للعمل السياسي، وهو أمر لا يتعلق بالشجاعة أو الجبن، وإنما يتعلق بجدوى تقديم التضحيات بالنسبة للنتائج المتوقعة، ويتعلق أيضًا بأن أعضاء حزبنا فى النهاية انخرطوا فى الحزب فى ظل ظروف ومعطيات كانت تؤكد أننا إزاء مرحلة تحول ديمقراطي، وأن العمل السياسي بصفة عامة قد أصبح آمن بالنسبة لفترات تاريخية سابقة، ومن ناحية أخرى يتعلق الأمر أيضًا بما إذا كان هناك مجال للعمل والحركة أصلًا أم لا، ففى ظل غياب العمليات الانتخابية إما بالتأجيل أو الاستبداد الغاشم، وفى ظل مصادرة الإعلام، وفى ظل منع الأحزاب من تنظيم أى فعاليات جماهيرية، فى ظل ذلك كله ما الذى يمكننا أن نفعله سوى إصدار بيانات محدودة الانتشار أو الاجتماع فى مقرات الحزب أو "الجرى وراء الناس فى السجون"؟!
بناءً على ما تقدم فإن هذا الاتجاه يطالب بـ حل الحزب أو تجميد نشاطه لحين تغير الظروف السياسية.
فى المقابل يرى اتجاه آخر أن استمرار حزبنا وبقاءه سيكون بمثابة راية مرفوعة من الممكن أن يتجمع معها و "أو" حولها قوى التغيير فى لحظة قادمة، بل ومن الممكن أن تشارك، مع قوى أخرى، فى إنقاذ الوطن عند أى منعطف سياسي حاد قد تتعرض له البلاد، وبالإضافة إلى ذلك فإن الدور الذى يقوم به حزبنا على المستوى السياسي الآن مهم وضرورى وينير بصيص من الضوء فى السواد الذى تعيشه البلاد الآن، وغياب هذا الضوء معناه مزيد من الإحباط واليأس لقوى التغيير، والإجهاز على ما تبقى من روح المقاومة، وإننا نستطيع ممارسة دورنا السياسى بدرجة معينة من الاتزان والحكمة، وبالإضافة إلى ذلك أيضًا يمكننا أن نحاول القيام بدور أكبر فى أى نضال محلي أو فئوى يستهدف الارتقاء بمستوى حياة الناس.
هذا الاتجاه الذى يطالب بالاستمرار عليه أن يدرك أن قوانا ستتآكل على المدى القصير، وأننا قد نتعرض لضربات أمنية بسبب مواقفنا السياسية مهما حاولنا أن نتجنب ذلك، وبصياغة واضحة ومحددة : إننا من الممكن أن نقلل الخسائر إلى الحد الأدنى لكننا لا يمكن أن نتجنبها بالكامل.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*