وحيد عبد المجيد يكتب: عبد الناصر ومحمد نجيب: هل نحتاج لتحليل D.N.A نظام يوليو؟

الإثنين , 11 سبتمبر 2017 , 10:50 ص آراء ورؤى


وحيد عبد المجيد


تابعتُ على مدى أسابيع الجدل المثار بمناسبة إطلاق اسم الرئيس الأسبق محمد نجيب على قاعدة عسكرية جديدة غربي مصر. يدور هذا الجدل حول أمرين. أولهما الظلم الذي لحق بنجيب، وتحوله من رئيس إلى محبوس في فيلا حُددت إقامته فيها. والثاني طبيعة خلافه مع عبد الناصر وأغلبية أعضاء مجلس قيادة الثورة.
والأمران مرتبطان، لأن إحدى قواعد نظام يوليو 1952، والنظم التي تشبهه، أن من يُهزم في صراع السلطة لا يُرحم، مثله في ذلك مثل من يتجاوز مدى معيناً في الخلاف مع هذا النظام، الذي تفاوتت قسوته من مرحلة إلى أخرى.
ولكن ما يعنينا الآن هو طبيعة الخلاف بين نجيب وعبد الناصر، ومراجعة بعض المقولات والتصورات الشائعة بشأن الصراع الذي ترتب على ذلك الخلاف، وخاصة الاعتقاد المنتشر في أنه كان خلافاً على المسألة الديمقراطية.

أشكال الطغيان
وقد انتشر هذا الاعتقاد لسببين الأول عدم وجود معلومات موثقة أو موثوقة كافية عن تفاصيل الصراع، وما حدث في غرف مغلقة احتضنت اجتماعات مجلس قيادة الثورة، والكواليس المتعلقة بها، والاتصالات التي اقترنت بها0 فقليل هو ما نعرفه عن التفاعلات المرتبطة بذلك الخلاف الذي بلغ ذروته عام 1954.
والسبب الثاني، الذي ينبغي أن ننتبه إليه جيداً، هو ميل كثير من أنصار الديمقراطية المحبطين دائماً منذ أكثر من ستة عقود إلى إسقاط مزيج من أحلامهم وأمانيهم على الواقع، وتخيل أن بعض أركان النظام أفضل من آخرين، والسعي إلى البحث عن مُخلص في أوساطهم. 
غير أنه لا يوجد سند يُعتد به للاعتقاد في أن الصراع بين نجيب وعبد الناصر كان حول الديمقراطية، بينما توجد أسانيد على أنه كان صراعاً على السلطة، وأن تبني نجيب الدعوة لعودة الجيش إلى ثكناته لم يكن إلا أداة في هذا الصراع.
مسار الخلاف منذ إرهاصاته الأولى لا يشي بأي دليل على أن الديمقراطية كانت أصل الخلاف، الذي بدأ قبل أن يتضح ميل عبد الناصر إلى إقامة نظام دكتاتوري، بل قبل أن يُفصح عن إصراره على البقاء في السلطة وعدم تسليمها إلى من ينتخبه الناس بعد إصدار دستور ديموقراطي تمت صياغة مسودته بالفعل عام 1954، ثم اختفى.
كما أن الدعوة لعودة جيش إلى ثكناته ليست مرادفة للمطالبة بإقامة نظام ديمقراطي. فالدكتاتورية العسكرية ليست الشكل الوحيد للطغيان. كما أن لهذه الدكتاتورية العسكرية أكثر من شكل. وهي لا تتطلب وجود الجيش خارج ثكناته في كل الأحوال.
ولذلك لا تكفي مطالبة نجيب بأن يعود الجيش إلى ثكناته دليلاً على أنه آمن بالديمقراطية، وخاصة حين يدل مسار الأحداث على أنه لم يعمل على بناء نظام مختلف عن ذلك الذي عرفته مصر في العقود الأخيرة.

تأسيس الطغيان
ليس غريبا أن يشيع اعتقاد في أن نجيب كان ديمقراطياً، بل مناضلاً من أجل الديمقراطية، مادامت التفاصيل غائبة أو مخفية وفق تقاليد نظام يوليو. ولكن المدهش أن يقتنع بذلك مثقفون وكتَّاب يستطيعون استخلاص نتائج صحيحة من مقدمات مهما كانت قليلة. وقد أدهشني مقال لأحد أكثر الكتَّاب العرب (سمير عطالله في صحيفة الشرق الأوسط، 16/8/2017) ذهب فيه إلى أن (نجيب كان الرئيس الأكثر تسامحاً بصرف النظر عن ولايته القصيرة. لا سجون، ولا انتقامات، ولا إهانات، ولا مصادرات تلغي فيما بعد ويعتذر عنها بعد وقوع الواقعات). 
والمدهش هنا أن الوقائع التي لا تحتاج إلى بحث عنها تفيد أن السجون كانت مفتوحة لضحايا محاكمات منبتة الصلة بمعايير العدالة في محاكمات استثنائية تعددت أسماؤها. وقد عمل مؤرخون مُدَّققون، مثل الأستاذ صلاح عيسى، على بعضها، ونشروا ما يكفي لمعرفة أن ما أسماه عطالله الولاية القصيرة حفلت بانتهاكات كثيرة. 
وليس إعدام العاملين المناضلين من أجل حقوق بديهية (خميس والبقري) إلا مثالاً واحداً على الطغيان الذي بُديء في تأسيسه يوم كانت صور نجيب تتصدر صفحات الصحف، واسمه يُجلجل في الإذاعات.
ولذلك كان البيان المبكر جداً الذي أصدره الحزب الشيوعي المصري في 27 يوليو 1952 قراءة تحليلية استباقية بعيدة النظر بشان ما جرى في الأشهر ثم السنوات التالية، رغم أن بعض قادة هذا الحزب تراجعوا عن الرؤية التي طرحوها فيه. ولم يكن وصف نجيب في ذلك البيان بأنه "دكتاتور العصر" مبالغة أو تحاملاً، بل خلاصة تحليل  انتهى أيضاً إلى أن "نجيب هو مبعوث العناية الأميركية لاستباق ثورة الشعب".

الفن في خدمة الطغيان
يحق لمن عاشوا طويلاً على صورة مشرقة رُسمت لنجيب، وأخرجته من سياق عملية التأسيس للطغيان، أن يدفعوا بعدم مسئوليته عما حدث حين كان رئيساً.
وهذا دفع متكرر ومعروف، ويُعاد إنتاجه إلى اليوم، انطلاقاً من اعتقاد زائف أو زعم مقصود بأن الرئيس – كل رئيس – ليس مسئولاً عن الأخطاء والخطايا، وأن الأشرار المحيطين به يُسيئون إليه!
كما يمكن لهم أن يدفعوا بأن نجيب لم يكن إلا "عروسة ماريونت" أو "خيال مآتة" أتى به عبد الناصر ورفاقه, وأن يرددوا ما ورد في بيان مجلس قيادة الثورة الذي وصف إقالته عام 1954 بأنها إنهاء وضع شاذ نتج عن الاستعانة، ووضعه في الصدارة (مما أصابه بأزمة نفسية عانينا الكثير منها رغم حرصنا جميعاً على إظهاره للعالم أجمع بمظهر الرئيس الفعلي والقائد الحقيقي للثورة ومجلسها).
غير أن من يؤتى به لأداء مثل هذا الدور لا يعترض، ولا يختلف، ولا يخوض صراعاً. ولدينا أمثلة عدة على ذلك في العقود الأخيرة في مصر وغيرها. ومثاله الأبرز في المرحلة التي نتحدث عنها فوزى السالولى الذي جاء به قائد الانقلاب الثاني في سوريا أديب الشيشكلي عام 1951، وأدى دوره على أكمل وجه.
كما أن نجيب صار رئيسا لهذا المجلس فى أول أغسطس 19520 ولم يكن عبد الناصر فد أصبح ذلك الرجل الأقوى الذي يحتاج إلى واجهة له. ولم يكن ممكناً أن يفكر في مثل هذه الصيغة إلا بعد أن صار الرجل الأقوى عقب إطاحته بنجيب، وربما فكر فيها بالفعل إذا صحت رواية أنه أرسل وسطاء (منهم محمد حسنين هيكل ولطفي واكد كلٍ على حدة) إلى الراحل الكبير أحمد لطفي السيد طالباً منه أن يكون رئيساً في نهاية عام 1954.
ولكن الأهم من هذا كله أن نجيب شارك بهمة شديدة في وضع أسس الطغيان التي قام عليها نظام يوليو، والتى يصعب الاختلاف عليها, بل يمكن اعتبارها ضمن "جيناته" إذا تقدم العلم أكثر وأتاح أدوات لتحليل D.N.A  نظم الحكم0 ومن أهمها مصادرة حرية التعبير والإبداع، أو السماح اضطرارياً بهامش صغير في بعض المراحل.
وكانت الدراما السينمائية من أولى مجالات الإبداع التي حرص نظام يوليو على مصادرتها في مرحلة تشكله لكي يسيطر على صناعة الصورة، ويستخدمها في الهيمنة على الوعي العام، في مرحلة ما قبل التليفزيون.
وقام نجيب بالدور الرئيسي في هذه المصادرة منذ أن أصدر بيانه المعنون "الفن الذي نريده" في أول سبتمبر 1952، وجاء فيه أن (السينما وسيلة للتثقيف والترفيه. وإذا أسأنا استخدامها سنهوى بأنفسنا للحضيض، وندفع بالشباب إلى الهاوية). وعقد بعد ذلك لقاءات، شارك فيها بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة، مع الفنانين الذين ركب كثير منهم الموجة، وأذعن بعضهم، وقاوم أقلهم. وهذه قصة طويلة لا يتسع لها المجال الآن0 وتامهمةهنا أن السينما تحولت إلى وسيلة للترويج للنظام الجديد بطريقة فجة في الأغلب الأعم في تلك الفترة، سواء عن طريق أفلام تم انتاجها لهذا الغرض، أو عبر عبارات أضيفت إلى الحوار فى أفلام أخرى.
واستمر استخدام السينما على هذا النحو بعد إطاحة نجيب، الذي صار ضحية لما شارك في صنعه،حيث حُذف كل ما يشير إليه فى أفلام لم يكن صانعوها قد أدركوا أن اسمه، وليست شخصيته فقط، بات من المحظورات، مثل فيلم "الله معنا" الذي لم يُعرض عام 1955 إلا بعد استبعاد شخصيته من الأحداث. 

ماذا لو ..؟
رغم أنه لم تكن هناك مقومات لانتصار نجيب في الصراع على السلطة، ورغم أن التاريخ لا يعرف "ماذا لو"، فلنفترض في نوع من الرياضة الذهنية أن ميزان القوى في الجيش حينئذ كان مختلفاً، وأنه نجح في تعبئة قوات كافية لحسم الصراع لمصلحته، وبرع في التلاعب بمشاعر الناس وتنظيم مظاهرات أو مسيرات مصنوعة. فما الذي كان ممكناً أن يفعله؟
الإجابة المرجحة – مع التذكير بأن "لو" ليس لها محل في التاريخ – هي استمرار وضع ركائز نظام يوليو الذي نعرفه، مع اختلاف في بعض التفاصيل التي تباينت بعد ذلك بالفعل من مرحلة إلى أخرى، ومن رئيس إلى خلفه.
ومن أهم التفاصيل التي كان ممكناً أن تختلف العلاقة مع جماعة "الإخوان المسلمين"0 فقد تحالف نجيب معها ضد عبد الناصر، وهُزما معاً في أكتوبر 1954. ولذلك يمكن تصور حدوث تعاون بينهما لفترة قصيرة لأن ما جمعهما علاقة مصلحة آنية كان ضرورياً أن تنتهي تدريجيا بعد تحقيق الهدف منها، وهو الانتصار في معركة السلطة، وأن يعقبها بالتالي صراع على النحو الذي حدث بعد عبد الناصر و"الإخوان" عندما انتهت مصلحتهما المشتركة فى الانقضاض على النظام شبه الديمقراطى, وسعى كل منهما إلى استخدام الآخر.
ومن هذه التفاصيل التي كان ممكناً أن تختلف أيضاً طريقة إدارة السياسة الخارجية، ولكن ليس اتجاهها العام ومحتواها، لأن الظرف الموضوعي كان يدفع إلى خوض معارك إقليمية ودولية لتحقيق تعبئة داخلية تُدَّعم أركان النظام وتمكنه من الهيمنة على المجتمع.
غير أن أهم ما في الأمر هو أنه أياً كان الاختلاف الذي يمكن تصوره في حالة انتصار نجيب، فهو لا يشمل أياً من ركائز الطغيان الذي ساهم نجيب في تأسيسه0 وإذا لم يكن التحليل السياسي كافياً للتأكد من ذلك، فلنتطلع لأن يوفر العلم في أقرب وقت أدوات لتحليل D.N.A  الخاص بكل نظام حكم.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم