نعيم يوسف يكتب: رحلة في عقل إرهابي "3"

الثلاثاء , 12 سبتمبر 2017 , 01:22 م آراء ورؤى


نعيم يوسف


جهز 19 شابًا "كان من المفترض أن يكونوا 20، ولكن "رمزي بن الشيبة" فشل في الحصول على تأشيرة"، أنفسهم لكي يستقلون الطائرة، وهم يعلمون تمام العلم ما سيفعلون، فيما يُعرف بـ"أحداث برج التجارة العالمي"، وذلك في يوم الثلاثاء الموافق 11 سبتمبر 2001، وقد سقط نتيجة لهذه الأحداث 2973 ضحية 24 مفقودًا، إضافة لآلاف الجرحى والمصابين بأمراض جراء استنشاق دخان الحرائق والأبخرة السامة.

في نفس اليوم ولكن بعد 15 عامًا، وبالتحديد يوم الأحد الموافق 11 سبتمبر عام 2016، ارتدى الشاب محمود شفيق، حزامًا ناسفًا ودخل به إلى الكنيسة البطرسية في القاهرة، وفجر نفسه، ما أسفر عن استشهاد حوالي 30 شخص، وإصابة مثلهم!!

هؤلاء الشباب خططوا وسافروا من بلد إلى بلد، وقرروا الانتحار وقتل أنفسهم وهم راضون تمامًا، عما يفعلونه.. فماذا كان يدور في أذهانهم، وما هي أفكارهم التي تدفعهم لذلك؟.

الإجابة على هذا السؤال تتمثل في كلمتين فقط، وهما: "القضية.. والعقيدة".. وهما جزءان لا ينفصلان في عقل أي إرهابي ، ولنعود إلى ما تركه هؤلاء الإرهابيين ورائهم لنعرف ذلك.

خلال أحداث 11 سبتمبر وقع تأخير في إقلاع الطائرة الأولى، وبسبب ذلك بقيت حقائب المسافرين في المطار، ومن بينها حقيبة "محمد عطا"، أمير الخلية التي نفذت العملية، وعُثر بها على أوراق كُتب عليها: "اقسم على أن تموت وتحيا نياتك" و"يجب أن تشعر بالسكينة لأنك تبعد مجرد خطوات عن الفردوس" و"احرص على أن يكون سكينك حادًا"، وقد وُجد نسخًا من هذه الأوراق في حقائب باقي الإرهابيين.

محمد عطا نفسه، صدر رسالته للماجستير بهاتين الآيتين: " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين". 

تفسر هذه الكلمات ما كان يدور "عقيديًا" في رأس هذا الشاب، حيث أنه لا يؤمن فقط بكونه مسلمًا، بل إنه مأمورًا من الله برسالة معينة، وليس هذا فحسب بل يعتقد أنه "أول المسلمين"!

أما بالنسبة للقضية، فإن كل هؤلاء الشباب يعتقدون أنهم يعيشون في زمن "الحروب الصليبية"، وقد ورد في كتاب "الحروب الصليبية الجديدة"، والذي له مكانة كبيرة في القاعدة، أنه "يجوز للمسلمين قتل المعصومين من الكفار كمعاملة بالمثل فإذا كان الكفار يستهدفون نساء وصبيان وشيوخ المسلمين يجوز للمسلمين أن يعاملوهم بالمثل ويقتلوا مثل من قتلوا، لقول الله تعالى "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" وغيرها من الأدلة، وقد اعتمد هذا الكتاب كثيرًا على ما تفعله الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، وبالتالي فهناك "حرب صليبية" مشتعلة في نفوس وقلوب هؤلاء الشباب، تدفعهم لقتل "الكفار" بأي وسيلة وطريقة، حتى ل قتلوا في "ساحة المعركة".

هذا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن في مصر، التي يعتبرها هؤلاء المتأسلمون "أرض الكنانة"، لماذا يقوم واحد مثل محمود شفيق، وغيره بتفجير أنفسهم داخل كنيسة؟!

الإجابة على هذا السؤال نجدها في الوصية أو الرسالة التي تركها هذا الشاب نفسه، وبثتها "داعش"، ولكن تم حذفها من على موقع "يوتيوب"، إلا أنه بالقليل من البحث على الإنترنت سوف تصل لها.

يزعم هذا الإرهابي في رسالته، والتي هي رسالة التنظيم عدة مزاعم، أولها، أن هناك "حرب" مع النظام الحالي، المدعوم من "الصليبيين"، وهم الأقباط، ويسوق في سبيل ذلك، عدة ادعاءات أخرى، وهي أن الأقباط يهاجمون الإسلام، ويدعمون الجيش المصري لقتل "المسلمين" –الذين هم إرهابيي سيناء، وعناصر جماعة الإخوان الإرهابية، لأنه لا يرى مسلمين غيرهم- وبالتالي فهو لديه قضية كبرى يعيش من أجلها، وهي الدفاع عن أنفس المسلمين، وأعراضهم، وعقيدتهم الصحيحة "حسب اعتقاده" من فرعون، وجنوده "النظام والجيش"، والصليبيين "الأقباط" في وجهة نظره.

يعتمد التنظيم الإرهابي في دعايته لهذه القضية، على الكثير والكثير من الفيديوهات من فض رابعة العدوية، والنهضة الإرهابيين، كما يعتمد على مشاهد قتل وتصفية الإرهابيين في سيناء، وتدمير الأنفاق، بالإضافة إلى مقاطع تأييد كبار رجال الدين المسيحيين، للحرب على الإرهاب، والتي يعتقدون أنها "حربًا على الإسلام"، ويتعمدون تزييف المعلومات الاقتصادية والسياسية عن الأقباط، ليدخلوا في دائرة الحرب وبالتالي فلا عصمة لدمائهم.

من المعلومات التي يزيفها التنظيم الإرهابي، هي أن الأقباط هم فئة أقلية في "ديار الإسلام" –التي هي مصر- حيث لا يتعدى عددهم حوالي 5% بينما يسيطرون على 40% من اقتصاد الدولة، كما يسيطرون على الشركات الكبرى والاقتصاد، وبالتالي يتحكمون في الأغلبية المسلمة المستضعفة في مصر، ولذلك فإن هذه الأغلبية تحتاج إلى من ينصرها وهم الإرهابيين.

أيضًا يعتقد هذا الشاب، بأن الأقباط هم "فئة ذمية"، و"معاهدة" –وللأسف هذا يتوافق كثيرًا مع الخطاب الديني الرسمي، ولعل هذا هو السبب في عجز الخطاب الرسمي أمام حججهم لأنه يتوافق معهم في هذه النقطة الجوهرية- وبالتالي فشيء تلقائي أن يرتبط أمن وأمان هذه الفئة بكونها "معاهدة"، وعند فض العهد، تكون دمائهم وتفجيرهم، جائز حتى لو ذهب بعض الشهداء المسلمون الذين يحرسون الكنائس، أو المارة في الشارع.

كتاب "الحروب الصليبية" الخاص بتنظيم القاعدة، يحدد 7 أشياء، أيًا منها، يجيز قتل الكفار والمعصومين، والحالة الثالثة التي تجيز القتل، هي: "يجوز للمسلمين قتل المعصومين من الكفار في حال لو أعان المعصومون على القتال سواءً بالفعل أو بالقول أو بالرأي أو بأي نوع من أنواع الإعانة، لأمر النبي بقتل دريد ابن الصمة لما خرج مع هوازن وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة خرج معهم ليشير عليهم برأيه"، ولذلك فحتى مجرد التعبير عن الدعم للنظام الحالي ولو بالكلمة، يجيز قتلهم، أما الحالة السابعة فتقول: "يجوز للمسلمين قتل المعصومين من الكفار في حال، إذا نكث أهل العهد عهدهم واحتاج الإمام إلى قتل المعصومين تنكيلاً بهم، كما فعل النبي في بني قريظة".

إن ما يدور في عقل هذا الإرهابي، وغيره من الإرهابيين، "حرب" شرسة "وهمية بالطبع"، تمتزج فيها الغيرة على الدين، والعقيدة، للدفاع عن الإسلام، في مواجهة هذه الحرب "الصليبية"، ليس هذا فحسب، بل إن هؤلاء الإرهابيون يعتبرون أنفسهم "أبطال" في هذه الحروب، وأنهم سوف ينقذون الملايين من المسلمين، حتى لو ضحوا بأنفسهم، في سبيل العقيدة والقضية، سوف يفعلون ذلك، ولسان حالهم يقول "يجب أن تشعر بالسكينة لأنك تبعد مجرد خطوات عن الفردوس" –كما كان يقول محمد عطا-.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم