فريد زهران يكتب: كيف تنتقل السلطة داخل "أسرة 1952"؟! (*)

الأربعاء , 13 سبتمبر 2017 , 10:23 ص آراء ورؤى


فريد زهران


لكل أسرة حاكمة، عبر التاريخ، سمات وملامح توصف بها، وتُميزها، و " أسرة 1952" ليست استثناء من ذلك، ولعل أحد أهم سمات أي أسرة حاكمة هي الطريقة التي يتم بها انتقال السلطة، وسنلاحظ في هذا الصدد أنه في معظم الأسر الحاكمة عبر التاريخ هناك آليات انتقال للسلطة من إمبراطور أو ملك أو سلطان إلى خلفه، فمثلًا، في المملكة العربية السعودية يورث العرش إلى أولاد الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس الأسرة الحاكمة، فينتقل العرش من الإبن الأكبر إلى الأخ الأصغر الذي يليه، ويفترض عند نهاية هذا الجيل أن يبدأ الأمر مرة أخرى، وبنفس الطريقة، مع الأحفاد، أما في المملكة الأردنية الهاشمية فإن العرش يورث من الملك إلى الإبن الأكبر، ثم يورث من الإبن الأكبر إلى ابنه الأكبر.. وهكذا، ووجود نظام مُحدد لانتقال السلطة في أي بلد يضمن لها درجة كبيرة من الاستقرار ويقيها شر الخلافات والفتن والصراعات، و شر الفتن هذا هو الأمر الذي ميز مثلًا التاريخ الإسلامي، إذ لاحظ بعض الباحثين ومنهم الدكتورة هالة مصطفى مثلًا، أن عدم وجود نظام واضح لانتقال السلطة في التراث الإسلامي سمح على الدوام بصراعات وفتن في كل مرة كانت السلطة فيها تنتقل من خليفة إلى خليفة، سواءً داخل الدولة الأموية أو الدولة العباسية.. الخ، ويبدو أن حال أسرة 1952 لم يختلف عن حال التراث الإسلامي.

نعم، لم يكن هناك نظام مُحدد لانتقال السلطة، ولكن إذا تأملنا كيف انتقلت السلطة في "أسرة 1952" فيمكننا أن نحاول الإجابة على الأقل على سؤال متى كانت تنتقل السلطة؟ ثم نتطرق بعد ذلك إلى محاولة الإجابة على سؤال كيف كانت تنتقل؟

يرى الكثير من المحللين والمؤرخين أن انتقال السلطة من محمد نجيب إلى جمال عبد الناصر لم يكن انتقال للسلطة بالمعنى المتعارف عليه، لأن عبد الناصر كان هو الحاكم الفعلي منذ 1952، ومن ثم فإن محمد نجيب لم يكن أكثر من واجهة اضطر الضباط الأحرار أو عبد الناصر للاختفاء خلفها لاعتبارات عملية تتعلق برتبة نجيب ومكانته في الجيش، وكُتب التاريخ الرسمية نفسها في المدارس وحتى وقت قريب كانت تؤكد ذلك، عندما لا تذكر حتى أنه كان هناك يومًا ما رئيس لمصر اسمه محمد نجيب، وأنا في الحقيقة لا أعتقد بصحة هذه النظرية التي روج لها أنصار عبد الناصر ومؤيديه لإخفاء حقيقة الخلاف الذي أطاح بنجيب، ونحن نرى أن المجموعة التي أسست "أسرة 1952" كانت تختلف فيما بينها كثيرًا، حول نوع وطبيعة النظام الذي ينبغي تأسيسه عقب الإطاحة بأسرة محمد علي، وكان الخلاف الرئيسي ليس حول دور الجيش في النظام الجديد فحسب، ولكن كان حول الديمقراطية نفسها، وحسم عبد الناصر الخلاف بينه وبين "الجناح الديمقراطي" من خلال "انقلاب قصر" أطاح بـ محمد نجيب ومجموعة ضباط سلاح الفرسان التي حاولت العودة إلى المسار الديموقراطي، ومن هذه الزاوية فقط يمكننا القول أن عبد الناصر كان هو المؤسس الأكثر أهمية وبروزًا لـ "أسرة 1952" من خلال "انقلاب قصر" عقب أزمة داخل "الجماعة الحاكمة".

انتقلت السلطة من عبد الناصر إلى أنور السادات عقب أزمة أيضًا، لكنها لم تكن أزمة داخل "الجماعة الحاكمة" كما كان حال الأزمة التي أفضت إلى الانتقال من نجيب إلى عبد الناصر، ولكنها كانت هذه المرة أزمة داخل "الطبقة الحاكمة"، وكان واضحًا عقب 1967 أن عبد الناصر والجماعة التي يحكم بها، ومن خلالها، قد وصلت إلى طريق مسدود مرتين، مرة عندما فشلت الخطة الخمسية الأولى وتعثرت مشروعات التنمية إلى حد ظهور أزمات مثل أزمة السكن، واندلاع مظاهرات الأرز، ومرة أكبر بكثير عندما تعرضت مصر لاقسى هزيمة عسكرية تعرضت لها في التاريخ الحديث بعد موقعة نافارين البحرية (1827) في عهد محمد علي، عندما هُزمت مصر في 1967 في اللحظة التي كانت أجهزة الإعلام المصرية تتحدث عن دخول تل أبيب. لم تكن الهزيمة عسكرية فحسب، بل كانت هزيمة لنظام أحبط الناس وخذلهم وحطم آمالهم وأحلامهم، هتفت المظاهرات في القاهرة والاسكندرية والمنصورة بمحاكمة الضباط المسئولين، وأعلن دكتور عصمت زين الدين في الإسكندرية "لماذا تتركون الحمار وتسبون البردعة" فهتف تيمور الملواني زعيم الطلاب في 1968 "يسقط الحمار.. يسقط عبد الناصر" ، وارتفعت بعد ذلك هتافات "لا صدقي ولا الغول .. عبد الناصر المسئول". سقط عبد الناصر "إكلينيكيًا" في 1967، لكن قوته الكبيرة التي نجح في بنائها عبر أساليب وأدوات متنوعة أعطته قدرة على البقاء، أو بصياغة أخرى لم تقضي عليه مباشرة، وإنما دفعت به في احتضار  بطئ من ناحية فيما تصاعدت الأزمة داخل بني النظام أثناء هذا الاحتضار البطئ من ناحية أخرى، و في هذه اللحظات بالتحديد تدخل القدر ورحل  عبد الناصر وانتقلت السلطة للسادات.

تبدو الصورة أوضح في عملية انتقال السلطة من السادات إلى حسني مبارك، لقد بدا واضحًا لكل ذي عينين، وبالذات مع اعتقالات سبتمبر 1981، أن نظام السادات قد وصل إلى طريق مسدود، والأزمة قد وصلت إلى ذروتها، حتى أن النبوي إسماعيل، وزير داخلية السادات في ذلك الوقت، حكى كيف أنه تحدث مع رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت، دكتور فؤاد محيي الدين، قبل رحيل السادات، ببضعة أيام، حول مستقبل البلد إذا تمكنت الجماعات الإسلامية من اغتيال السادات، واطمئن الإثنان إلى أنه "مفيش مشاكل وأن البلد ممكن تمشي إذا تم اغتيال السادات"! نعم. كانت هناك لحظة أزمة لا يحلها إلا رحيل السادات، وقامت رصاصة الإسلامبولي بنفس ما قامت به الجلطة التي أصابت عبد الناصر عندما وصلت الأزمة إلى ذروتها.

انتقال السلطة من مبارك إلى مرسي ثم إلى السيسي تم هو الآخر لنفس السبب: وصول البلاد إلى أزمة شاملة كبيرة تحتاج إلى إعادة النظر في بعض أو الكثير من السياسات والتوجهات، وكانت ذروة الأزمة في عصر مبارك هي نتائج انتخابات 2010 وما عكسته من إصرار على سيناريو التوريث من ناحية، و توضيح لحجم عزلة نظام مبارك وافتقاده إلى أي شعبية أو شرعية من جهة أخرى، أما بالنسبة لمرسي الذي أبدى الجميع، بما فيهم الجيش، وفقًا لتأكيدات السيسي، رغبتهم الجادة والمخلصة في التعاون معه، فقد وصل بالبلاد إلى ذروة الأزمة عندما أصدر الإعلان الدستوري المُكمل وكشف عن الوجه الإقصائي للإخوان مفسحًا بذلك المجال لموجة ثورية جديدة في 30/6/2014 وكانت هذه الموجة هي التي انتقلت بالسلطة من مرسي، إلى السيسي.

الملمح الرئيسي لانتقال السلطة في أسرة 1952 إذن هو أن انتقال السلطة يتم في اللحظة التي تصل فيها الأزمة إلى ذروتها، حيث يرحل الرئيس إما نتيجة "انقلاب قصر" في لحظة تأسيس الأسرة، مثلما حدث في الانتقال من نجيب إلى عبد الناصر، أو بسبب قضاء الله الذي يتم في توقيت مناسب مثلما حدث في الانتقال من عبد الناصر إلى السادات، أو بسبب رصاصة الملازم أول خالد الإسلامبولي في نفس اللحظة المناسبة مثلما حدث في الانتقال من السادات إلى مبارك، أو بسبب ثورة كبيرة تأتي في ذروة الأزمة، وهي ثورة ما كان لها أن تنجح في الإطاحة بمبارك بهذه السرعة إلا بتأييد الجيش الذي أعلن في الأيام الأولى أن المظاهرات حق مشروع ومطالب المتظاهرين مشروعة والجيش لن يطلق النار على المتظاهرين.

تشعر الطبقة الحاكمة باحتدام الأزمة فتستعد وتقدم رئيس جديد من خارج "الصندوق" أو من خارج "الجماعة الحاكمة" وليس من خارج "النظام" أو الطبقة الحاكمة. قبل رحيل عبد الناصر كان السؤال المكتوم داخل كواليس الطبقة الحاكمة هو: ماذا بعد رحيل الرئيس؟ وكانت هناك إجابات واجتهادات ومرشحين وسياسات بديلة.. الخ، وتكرر المشهد نفسه بصورة أكبر وأوضح فى الأيام الأخيرة لحكم السادات، مثلما تكرر في الأيام الأخيرة من حكم مبارك.

في كل مرة يبدأ الشارع السياسي، وتبدأ المعارضة أيضًا، بطرح الأسئلة وتنجح في استقطاب قطاعات من الناس، ولكن سرعان ما تندلع الأسئلة داخل الطبقة الحاكمة نفسها بدءً من الدوائر الضيقة إلى الدوائر الأوسع، حيث يبدو منطقيًا في هذه اللحظة أن التضحية بالرئيس وجماعته قد أصبح أمرًا ضروريًا ومُلح، لأن الأزمة تتزايد ولا مخرج منها إلا برحيل شخص الرئيس نفسه والجماعة الملتفة حوله. دعونا نتساءل: هل كانت هذه العملية إذن أقرب ما تكون إلى أن الطبقة الحاكمة لـ "أسرة 1952" تقدم في كل عملية انتقال سلطة "قربان" يُجدد دمائها ويُعيد لها الحياة مرة أخرى وفقًا لنفس الأسس والتوجهات، أم أن انتقال السلطة من رئيس إلى آخر داخل "أسرة 1952" كان يشي بتغيرات كبيرة أو راديكالية فى المسار السياسي؟

----------------------

(*) تم نشر هذا المقال باللغة الإنجليزية في جريدة "الديلي نيوز" بتاريخ 7/11/2014، وأُعيد نشره هنا باللغة العربية لأنني أرى أنه لا يزال صالح للقراءة رغم مرور 30 شهر على نشره للمرة الأولى.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم