مجدي عبد الحميد يكتب: الحدود الحاكمة للحرب على الإرهاب

السبت , 16 سبتمبر 2017 , 03:56 م آراء ورؤى


مجدي عبد الحميد


جزء من تعريف الدولة الحديثة هو أنها دولة تدار بشكل مؤسسي, دولة يحترم فيها القانون، دولة تحافظ على أمن وأرواح المواطنيين، دولة تسيطر على وتتحكم في وتحتكر آلة العنف باعتبارها الجهة الشرعية الوحيدة في البلاد المصرح لها بذلك.

وعندما يحدث أي نوع من أنواع الخروج على النظام الديمقراطي في البلاد وتقوم أي جماعة كبيرة كانت أم صغيرة, لها أغراضها السياسية أو أي أغراض أخرى, بتهديد أمن وسلامة الدولة باستخدام العنف ضد أجهزة ومؤسسات الدولة أو ضد المواطنين السلميين, يحق بل ويجب علي الأجهزة الأمنية أن تتصدى لتلك الجماعات العنيفة المسلحة وذلك وفقا لحدود ما تسمح به قوانين البلاد وكذلك وفقًا لما تسمح به القوانين الدولية والعهود والمواثيق والاتفاقيات التى تحدد ذلك.

لماذا هذا الحديث الآن؟

تعيش مصر منذ ثمانينيات القرن الماضى حتى الآن موجات من العنف المسلح الذي تمارسه عصابات وجماعات متشددة ومتعصبة دينيًا, تزداد وتيرتها ودرجة عنفها وشراستها أحيانًا وتفتر أحيانًا أخرى, وكما نلاحظ جميعًا فقد ازدادت حدتها وأتسعت رقعتها وأبعادها منذ 30 يونيو 2013 حتى الآن لأسباب عديدة غير خافية علينا جميعًا ولكن ليس مكانها ولا توقيت بحثها وتفنيدها الآن, ذلك إننا نناقش في ذلك المقال أمر آخر له أيضًا أهميته في الوقت الراهن.

تتعدد أشكال التصدي لعنف وإرهاب الجماعات المتطرفة, فمنها المواجهات المسلحة المباشرة مع تلك الجماعات ومنها الأشكال القانونية عبر تقديمهم للمحاكمات القضائية, ومنها الأبعاد الفكرية والثقافية وغيرها من أشكال المواجهة.

وما أريد أن أتوقف عنده هو سؤال متى وكيف تستخدم كل من الأساليب المختلفة السابقة فى معركتنا ضد الإرهاب والتطرف والتعصب ضد الآخر؟

فالمواجهات الفكرية والثقافية علي سبيل المثال تحتاج إلى خطط طويلة المدى ويمكن بل ومن الضروري ممارستها في جميع الأوقات, وإلقاء القبض على عناصر تلك العصابات الإرهابية وتقديمها للمحاكمة أمام القضاء يمكن أيضًا ممارسته طوال الوقت طالما هذه العصابات موجودة وتخطط وتقوم بأعمال عنف وإرهاب, أما عن المواجهات الأمنية والعسكرية فهذا ما أريد أن أتوقف عنده قليلًا, فاستخدام العنف المشروع من قبل الدولة فى مواجهة عنف الجماعات والعناصر الإرهابية له شروط يحددها القانون والأعراف الدولية وذلك من حيث حجم العنف ونوعه وأدواته وشكل وطبيعة المواجهة مع تلك العناصر والجماعات.

فالوضع الحالي في سيناء مثلًا يعتبر نوع من أنواع الحرب على الإرهاب المسلح بأحدث الأسلحة والذي يعلن فى كل لحظة أنه يحارب الدولة المصرية الكافرة بهدف القضاء على أركانها وأقامة دولته الدينية, وهذا النوع من المواجهات المباشرة يحق للدولة فيه أن تقاتل الجماعات الإرهابية المسلحة بأستخدام الأسلحة النارية القاتلة المسموح بها فى تلك المواجهات, ولكن هذا لا يعطي الحق لأجهزة الأمن أو أي قوات أخرى عسكرية أن تقتل مواطنين عزل غير مسلحين لمجرد الاشتباه أو حتى لو كانت على يقين من انتمائهم لتلك الجماعات حيث أن الأمر الطبيعي في تلك الحالة هو إلقاء القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمات العادلة لنيل جزائهم على ما اقترفوا من أعمال أو خططوا أو ساعدوا تلك الجماعات في تنفيذ أعمالها الإجرامية. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالأعمال الإرهابية التي تقوم بها تلك الجماعات داخل المدن, فهناك حالات مواجهة مباشرة تستخدم فيها عصابات الإرهاب الأسلحة النارية ولكن هناك أيضًا عمليات قبض على بعض تلك العناصر غير المسلحين أثناء إلقاء القبض عليهم ولا يشكلون اي تهديد لأرواح القوات المداهمة لهم أو الناس المحيطين بهم وفى مثل تلك الحالات أعتقد أن استخدام الأسلحة النارية القاتلة من قبل رجال الأمن يعد نوعًا من التجاوز أو ما يطلق عليه الاستخدام المفرط للقوة حيث لا توجد ضرورة لذلك. أن خطوره ذلك الأمر تكمن في أن رجال الأمن يفترض أنهم يمارسون العنف بترخيص محدد الزمان والمكان طبقًا لكل حالة على حدًا وعندما يأخذ رجال الأمن ترخيص مفتوح باستخدام ادوات العنف المختلفة بدعوى مواجهة عنف وإرهاب الجماعات المتطرفة دون حدود أو قواعد وشروط لاستخدام تلك الأدوات والأسلحة فأن الأمر يتطور مع الوقت سواء بقصد وسوء نية أو حتى بدون قصد, فالشخص الذي اعتاد على رفع سلاحه واستخدامه بسهولة دون شروط أو ضوابط يسهل عليه استخدام تلك الأسلحة فى حالات لا توجد فيها أي ضرورة لذلك, كما أن التصريح بقتل أى متهم أو مشتبه به وتصفيته جسديًا دون محاكمة يشكل ظاهرة شديدة الخطورة تفقد معها الدولة بمرور الوقت مشروعية احتكارها للعنف وتهدر القانون إلى أن يفقد معنى وجوده من ناحية, ومن ناحية أخرى تساعد على خلق مجموعات من رجال الأمن المنفلتين الذين يرون مع الوقت أن إشهار السلاح واستخدامه مسألة طبيعية وحق مكتسب لهم يمارسونه دون ضوابط. وهذه ليست مجرد تصورات نظرية ففى التسعينيات من القرن الماضي صدرت للأجهزة الأمنية تعليمات بتصفية المتهمين بالإرهاب والمشتبه بهم دون محاكمة, فكان أن سمعنا ورأينا جميعًا أعمال تصفية تتم فى شوارع العاصمة عيان بيان وعلى مرأى ومسمع من الجميع ولأشخاص قد يكونون بالفعل مدانون بالقيام بأعمال عنف وارهاب ولكنهم كانوا عزل أثناء تصفيتهم وبدلًا من القاء القبض عليهم وتقديمهم لمحاكمات عادلة لينالوا جزائهم كانت تتم تصفيتهم مباشرة, حدث ذلك أيضًا أثناء مداهمة بعض الأماكن التى كان يختبئ بها البعض من هؤلاء العناصر وهو ما يعد تجاوزًا وخرقًا للقانون وإساءة لاستخدام رخصة تحتكرها الدولة للمحافظة على أمن وأمان المواطنين وعلى أستقرار النظام بالدولة. مثال أخر حديث عندما استخدم أحد الضباط السلاح القاتل ضد الشهيدة شيماء الصباغ فيما عرف بعد ذلك بشهيدة مسيرة الزهور, والحقيقة أن هذا الضابط سواء كانت لديه تعليمات أو لم تكن فأن الأمر كان بالنسبة له شئ عادي وطبيعي أن يستخدم سلاح ناري في مواجهة مواطنة مصرية سلمية سلاحها الوحيد باقة من الزهور وهو ما أقصده بالضبط بالاعتياد على سهولة إشهار السلاح الناري دون الخوف من محاسبة أو من قانون.

وأخيرًا وما أثار كل هذه الهواجس وجعلني أعيد طرح هذه القضية للنقاش والبحث هو كثرة وتعدد الوقائع في الأسابيع والأيام القليلة الماضية عن أعمال تصفية لمجموعات إرهابية صغيرة كانت أم كثيرة العدد, دون ذكر أي تفاصيل عن الأمر, حيث تخرج علينا أجهزة إعلامية ما بأنه قد تمت بالأمس تصفية المتهم الأول أو الثاني في عملية الهجوم على الكمين الشرطي الكائن في المكان الفلاني دون إخطارنا بمن هو المتهم الأول ذلك ولا بمدى تيقن الأجهزة الأمنية التي قامت بتصفيته من ارتكابه لذلك الجرم أم لا, ولا من هي جهة التحقيق التي حددت أنه المتهم الأول حيث لم يلقى القبض عليه من الأصل ولكن تمت تصفيته على الفور فى مداهمة ما.

إن خطورة ما يجري والتصريح بالتصفية الجسدية دون محاكمة وحيث لا توجد ضرورة أو مواجهة تحتم ذلك هو من ناحية نوع من أنواع القتل وليس الحرب على الإرهاب, ومن ناحية أخرى سوف تكون له تداعيات خطيرة علي المستوي البعيد, حيث سيؤدي إلى وجود حالة من الفوضى في البلاد، ويشجع أطراف أخرى إلى استخدام نفس الأساليب التي تستخدمها الدولة طالما أن المحاسبة وتطبيق العقاب يتم خارج إطار القانون أو بمعني أخر خارج الأطر المتعارف عليها في الدول الحديثة, الأمر الذي قد يفقد الدولة في النهاية مشروعية احتكارها لاستخدام العنف باعتبار أن تلك المشروعية قائمة علي أساس وحيد وهو احترام الدولة للقانون وفرضه وتطبيقه علي الجميع دون تمييز أو تحيز لاي طرف ضد أطراف أخرى واستخدامه في حماية أمن وأمان المواطنين وحماية النظام في الدولة.

 

                                                                            


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*