معصوم مرزوق يكتب: مصر في حرب أهلية !

السبت , 07 أكتوبر 2017 , 02:05 م آراء ورؤى


السفير معصوم مرزوق


كنت واضحاً منذ البداية ، قلت أنني لا أدعي إحتكار الحقيقة ، ولكنني لم أجد حججاً تدحض أفكاري ومبادئي الأساسية حتي أعدلها أو أغيرها .. مصر تبدو وكأنها في حرب أهلية غير معلنة ، وأغلب الحروب الأهلية تبدأ وتنتشر كالنار في الهشيم حتي تتوهج فجأة دون أن يدرك المجتمع ذلك ، وقد كنت في بيروت بعد انتهاء الحرب الأهلية فيها ، وقال لي الأصدقاء هناك أنهم لم يعلموا أنهم في أتون حرب أهلية حتي لسعتهم نيرانها ...
تتزايد حدة الإحتقان يوماً بعد يوم في مصر ، فلم تعد المعركة بين الإخوان وأجهزة الأمن والسلطة السياسية ، وإنما يزداد القصف بين خنادق الأغنياء وخنادق الفقراء ، وتظهر كل يوم جرائم غريبة لم يسبق لمصر أن شهدت مثلها ، وكان آخرها ما نشر عن قتل سيدة وهي تصلي في المسجد كي يتم سرقتها !! ..
أن ما أحاول أن أفعله هو أن أدق أجراس الإنذار قبل أن يفوت الأوان ، ولذلك حرصت علي توجيه نداء قبل عدة أشهر من أجل الإصطفاف الوطني للجماعة الوطنية علي مبادئ ثورة 25 يناير ، وهي تلك المبادئ التي تجمع فعلياً السواد الأعظم من شعب مصر ، فلا يمكن لأحد أن يختلف علي شعار " عيش ، حرية ، عدالة إجتماعية ، كرامة إنسانية " ، ومع ذلك فوجئت ببعض ردود الأفعال التي أفهم أن أغلبها لجان إليكترونية تعمل لدي السلطة من أجل تسميم وعي المواطنين ، إلا أنني لا أنكر أن هناك بين هؤلاء من كنا – ولا نزال – نحسن الظن بهم ، ولذلك حرصت علي بذل جهد أكبر كي أوضح وأفسر ...

والحقيقة أنه لم يدهشني هجوم المتطرفين علي الجانبين   ( من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار ) ، كما لم أتوقف طويلاً أمام الهجوم الذي توقعته من حرافيش النظام وبعض اللجان الإليكترونية المعروفة .. ولكن كان يجب أن أتوقف أمام بعض إنتقادات الأصدقاء ..

ولكي يكون الأمر واضحاً وبدون إلتباس لاحظته عند هذا البعض ، فالمسألة برمتها لا علاقة لها بإنتخابات ومناصب ، وذلك آخر ما يمكن أن أفكر فيه .. بل أن مسألة الترشح ذاتها مرجوحة عندي لأسباب يعرفها كل من يعرفني ...

من البديهيات أنه عندما تهاجم الفكرة من طرفيها المتناقضين ، فذلك يؤكد موضوعيتها وسلامتها المبدأية ، ومن المسلم به كذلك أنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن ترضي كل الناس ، ومن يحاول أن يفعل ذلك هو في الغالب إنسان بلا مبدأ أو موقف ...

ولكن هناك أسئلة مشروعة ، مثل مسألة " حكم العسكر " ، والواقع أن من اعترض علي رفضي لشعار " يسقط حكم العسكر " ، لم يقرأ أو يتابع موقفي الثابت من كل أنظمة الإستبداد وهي ليست كلها بالضرورة " عسكرية " ، والتعريف العلمي الصحيح لمصطلح حكم العسكر أو " العسكرة " Militarism  يعني ما يطلق عليه سلطة الجيش في الحكم وهو يصف تلك الدول التي تعتمد سياسات القوة في علاقاتها الخارجية ومن ذلك علي سبيل المثال تاريخياً إسبرطة ، والإمبراطورية الرومانية ، وفرنسا تحت حكم نابليون بونابرت ، والأنظمة التي اعتمدها هتلر وموسيليني ... وكذلك نظام الحكم الحالي في كوريا الشمالية .
والتعريف الإصطلاحي هو Stratocracy  ( ستراتوكراسي ) حيث تعني " ستراتوس " الجيش ، و " كراتوس " تعني السيطرة أو السلطة كلها ، أي عسكرة كاملة للدولة ، وذلك يعني أيضاً أن الدستور والقوانين كلها تكون داعمة لهذا النوع من الحكم ، كما يكون المجتمع نفسه لديه قابلية ما لهذا النوع من الحكم ..
ودون مزيد من التفاصيل ، فأن ذلك كله لا ينطبق حرفياً علي الحالة المصرية ، ولقد ذكرت في أكثر من مناسبة أن " الجيش الذي انهزم في نكسة 67 هو نفسه الجيش الذي انتصر في عبور 73 " وأن التغير الذي أدي إلي النصر كان في قيادة القوات .. ولا يجوز أن ينسب لجيشنا أي صفات غير لائقة أو ترسخ إدعاءات يسعي إليها إعداؤنا لأن هذا الجيش هو درعنا وسيفنا في المعارك القادمة لا محالة ..

ومن الطريف أن بعض الإتهامات علي الجانبين كانت متعاكسة ، فبعضها يتهم المحاولة بأنها مغازلة للإخوان ، وبعضها الآخر يتهمها بأنه مغازلة للسيسي !! .. ولهؤلاء جميعاً أرجو أن يراجعوا الكلمات جيداً ، بل وتاريخها الثابت فوق الأوراق لأعوام بلا عدد .. أنها تنبع من نفس المبادئ والمواقف ..

أن التغيير الجذري للمجتمعات يتطلب ما هو أكثر من مجرد "الإحتجاج " أو " التظاهر " ، كما أن السياسة هي علم وفن وينبغي أن تكون لدينا المرونة الكافية في المبادرة وإستخدام إمكانيات الواقع ومعطياته المتاحة بواقعية لا تنحدر إلي حد التسليم ، ولا بمراهقة خيالية تشبه حالات الإنكار النفسية والتحليق بمخدرات قدرات وهمية أو مصنوعة ..

في بعض الأحيان تؤدي صدمة الواقع إلي غيبوبة ، تحتاج للخروج منها إلي صدمة إفاقة ، خاصة إذا كان المجتمع قد وصل إلي حالة أطلقت عليها قبل سنوات " الإعياء الثوري " أو Revolutionary Fatigue  ..

ختاماً .. أكرر أنني لست أدعي إحتكاراً للحقيقة ، وأقبل الإختلاف ، بل وإعتبره تطوراً صحياً واعداً ، ولكنني أطالب الجميع بمراجعة ضمائرهم ، والتفكير جدياً فيما وصلت إليه أمورنا من خطورة ، وأعادة قراءة ما فوق سطوري وما بينها ، والتخلي عن الدوجما والعزة بالإثم ، وربما كانت في المبادرة بعض أخطاء ، أو ربما كانت كلها خطايا ، ولكن ذلك لا ينفي عنها أنها إجتهاد مخلص لوجه الله والوطن ، وربما تكون سبباً في إثارة أفكار ومبادرات أفضل وأكثر فائدة كي يخرج الوطن من هذا المأزق التاريخي ..


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*