شريف العصفوري يكتب: الديمقراطية التي تراوغ الجميع

الإثنين , 13 نوفمبر 2017 , 03:42 م آراء ورؤى


شريف العصفوري


من تقاليد البيروقراطية المصرية، تغيير قانون الرياضة من الأساس مرة كل سبعة سنوات، و كذلك تغيير اللوائح التي تتحكم في الشباب والرياضة، على ثلاثة مستويات، النوادي، والاتحادات الرياضية، واللجنة الأوليمبية، طبعًا سيدنا خالد الذكر هو أول من استن السنة الهباب بتأميم العمل الأهلي سنة 1964، بالقانونين 32 و 34؛ لتقييد و تأميم عمل الجمعيات الأهلية و الهيـئات الرياضية، على عكس الدول الشمولية الأخرى مثل كوبا أو كوريا الشمالية، أو حتى على القمة ألمانيا الشرقية "الديمقراطية"، تدنت مستويات الرياضة في مصر مع تأميمها، فمثلًا لم نتأهل لكأس العالم لكرة القدم من 1934 حتى 1990، و تجمد رصيدنا من الميداليات الأوليمبية عند 15 ميدالية قبل 1952 حتى 1984 ميدالية، و لم ينفرج النحس إلا في دورة أثينا بخمسة ميداليات، إجمالًا 15 ميدالية من سنة 1984 حتى 2016.

ما يدهشني هو كمية الاهتمام بالانتخابات بالترشح و النفقات المفرطة للترشح بالفوز في انتخابات مجالس إدارة الأندية، وزير الشباب، المهندس خالد عبد العزيز، لم يخرج عن سنة سابقيه، بعمل لوائح جديدة، و لكنه فرض انتخابات على جميع الأندية قبل نهاية العام الجاري، المدهش أن مجالس الإدارة التطوعية التي لا يحصل أعضاؤها على أية مكافئات مالية، يصرف المرشحون ميزانية بالملايين لكل منهم، فانتشرت إعلانات "أوت دوور" في كل المدن المصرية التي تجري بها انتخابات للنوادي الشعبية.

النوادي المصرية الاجتماعية و الرياضية، حالة خاصة في العالم، لا مثيل لها في العالم بعضوياتها التي تصل لعشرات الألوف، فالأصل "حتى في مصر قبل 1952"، أن يكون الأعضاء من ملاك النادي، ويمثلون نسيجًا قريبًا طبقيًا و اجتماعيًا، وأن يكون لتعداد العضوية سقف معين، لكن أن تصل عضوية النادي لعشرات الألوف، فهذا هو الإضافة المصرية لفكرة النادي، بالطبع سيتصادم الأعضاء حول الأجندات والمصالح، وتصبح النوادي "ميكروكوزم" عالم صغير من العالم المحيط خارجها، إقبال الأعضاء على حضور الجمعيات العمومية متسق و متواصل و أعلى من الاهتمام العام داخل المجتمع بالشأن العام، وبالانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية من نفس التاريخ 1964.

النوادي المصرية الكبرى و الاتحادات الرياضية، تعرضت للعسكرة أيضًا، ففي فترة الستينيات، كان رئيس ناديا الزمالك والأهلي من ضباط القوات المسلحة وكان المشير عامر رئيسًا لاتحاد كرة القدم أيضًا. النوادي الاجتماعية الذهبية أجبرت على فتح أبوابها للضباط أيضًا، بذريعة إتاحة العضوية "لكافة طبقات الشعب"!.

الدوري الممتاز لكرة القدم يحمل أسماء أندية تذهل لها الولدان و تشيب، اتحاد الشرطة، والداخلية، وحرس الحدود، و الجيش، والإنتاج الحربي.

طبعًا الديمقراطية لا وجود لها في أندية الهيئات العسكرية أو اندية الشركات، وبعض الأندية الاستثمارية الرياضية أو الاجتماعية "وادي دجلة". بينما يدلل بعض "وكلاء السلطة" لمقولة أن الشعب المصري غير مؤهل للديمقراطية، تبدو الديمقراطية بصحة جيدة وعفية في انتخابات الأندية. تبدو الأندية الرياضية والاجتماعية قلعة للديمقراطية في مصر، و إن كانت قواعد اللعب يجري العبث بها أكثر مما يعبث متحرش بضحيته.   

آخر معاقل الديمقراطية كانت انتخابات اتحادات طلاب المدارس، تم تصفية اتحادات طلاب الجامعات، ولم تنج الجامعات الخاصة من التصفية والتقييد. الخلاصة التي وصلت إليها بعد متابعة حال الديمقراطية على مستوى العمل الأهلي المصري، أن هناك عقيدة سلطوية راسخة تنظر إلى الشعب المصري على أنه قاصر، وغير ناضج، وأن تجربة الديمقراطية وانكشاف الجمهور العريض لتجربة حكم نفسه بنفسه يجب أن تحاصر، وعلى "المواطنين الشرفاء" تدمير تلك التجربة بالتصدي للانتخابات بالتزوير  أو إغراقها في المشاكل والشكليات، تصدر المشهد وركوبه والحيلولة دون أن يؤدي تمرين الانتخابات والترشح والنزاهة والحيدة إلى تمثيل طبيعي يمثل القاعدة الانتخابية.

من بين الاكتشافات لدي أن معاملة القاعدة الانتخابية على أنها قطيع من الحيوانات غالبًا ما يؤدي في النهاية أن تتصرف القاعدة كقطيع من الحيوانات فعلًا. تمكين القواعد الانتخابية من التعبير وتقرير المصير يجعل تلك القواعد ترتقي وتفرض نظامًا أقرب إلى العدل وحسن الإدارة والحوكمة. الغالبية العظمى من السلوكيات المعيبة للشعب المصري –برأيي المتواضع – أنتجها التهميش والتسلط، وإحساس الشعب المصري كأفراد أنه ضيف ثقيل على شوارع بلده ومؤسسات بلده وأنه لا خير في العمل الجماعي المنظم، وأن الأفضل أن يحل كل فرد مشاكله الفردية بنفسه بأية وسيلة "قانونية أو غيرها".

الديمقراطية ليست حلًا سحريًا لأي المشاكل، ولكنها أفضل الوسائل لصناعة توافق من أجل حل التشابك بين مصالح الجماعات المتناقضة وصياغة طريق إلى الأمام. لا أريد ذكر أسماء محددة أنتجتها ديمقراطية الأندية، تتنافى طريقتها و أساليب عملها وتوجهاتها مع الأهداف السامية للرياضة، ولكن صلة هؤلاء بالسلطة، وسماح الأخيرة لوكلائها من التجاوز واختراق نصوص القانون وروحه، ربما يعيدنا إلى النقطة التي أوردتها سالفًا، أن النية معقودة على ألا يستفيد المصريون من تجربة انتخابات الأندية، و أن يظل الشك يراوغ إيماننا أن بإمكاننا إنتاج مجتمع أفضل دون وصاية من مؤسساتنا المقدسة التي تحتكر الحكمة والصواب.

مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*