عبد الناصر سلامة يكتب: وثيقة الحركة المدنية الديمقراطية

الجمعة , 05 يناير 2018 , 12:06 م آراء ورؤى


عبد الناصر سلامة


الوثيقة الصادرة عما تسمى «الحركة المدنية الديمقراطية» لا يجب أن تمر مرور الكرام على النظام الرسمى، ذلك أنها تختلف كلياً عما صدر عن الجبهات والحركات والمنظمات، التى نشأت قبل وبعد ٢٥ يناير ٢٠١١ من وجوه كثيرة، أهمها أن الأحزاب الخمسة التى وقعت عليها، إضافة إلى الشخصيات العامة، لا يسعون إلى الحُكم أو إلى مناصب أو مكاسب شخصية، أو حتى إسقاط هذا أو الإتيان بذاك، مثلما كان الحال فى الماضى، وإنما يتطلعون فقط إلى حياة أفضل للدولة المصرية ككل، من خلال طرح تصور لمجموعة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية فى آن واحد.

ما أخشاه هو صدور تعليمات بإطلاق معتادى الردح فى برامج الليل وآخره، للذم والقدح فيمن وقَّعوا على الوثيقة، أو إطلاق الكتائب الإلكترونية المعروفة بأُميتها الشديدة، لتشويه صورة هؤلاء وأولئك، ذلك أننا أمام مطالب عاقلة ووطنية، من المفترض فى ظل أى ظروف سوية، إما فتح حوار علنى جاد مع هؤلاء جميعاً، أو على الأقل بحث كل ما طرحوه على مائدة الحكومة بصفة رسمية، لأن ذلك سوف يصب فى مصلحة النظام والمواطن فى آن واحد، ناهيك عن امتصاص حالة الغضب فى الشارع، ليس جراء ارتفاع الأسعار وسوء الحالة المعيشية فقط، وإنما أيضاً جراء ممارسات داخلية وخارجية فى حاجة إلى إعادة نظر.

الوثيقة تضمنت أحد عشر بنداً، تناولت مقومات الدولة المدنية الحديثة، دولة المواطنة القائمة على التطبيق الصارم لمواد الدستور والقانون، تضمنت الحديث عن صيانة الحريات والتعبير والاحتجاج السلمى، التى يكفلها الدستور أيضاً، تضمنت الحديث عن أهمية مواجهة الفساد بتفعيل مبدأ الشفافية والرقابة، تضمنت أهمية تشغيل كافة الطاقات الاقتصادية المعطلة، وأهمية توفير الحياة الإنسانية الكريمة للمواطن، أهمية العمل على إزالة أسباب الاحتقان والتعصب والكراهية، المطالبة بالإفراج عن كل مسجونى الرأى والتظاهر السلمى، وتعديل قوانين الحبس الاحتياطى، إضافة إلى أهمية استعادة دور مصر العربى والإقليمى.

حتى الآن سوف نجد أنفسنا أمام مطالب مشروعة لا يمكن بأى حال أن تصطدم بالنظام الرسمى القائم، وإلا فإن هناك شيئاً ما خطأ ينبغى إعادة النظر فيه من كل الوجوه، وهو الأمر الذى كان يُتوقع معه رد فعل رسمى وفورى، يؤكد على الاستجابة لهذه المطالب دون أى محاذير، ذلك أنها حقوق منصوص عليها فى الدستور والقانون، وليست فى حاجة إلى بيانات أو وثائق أو نضال من أى نوع، وإلا فإن تقارير المنظمات الدولية هى الأخرى سوف تجدها فرصة عظيمة للإفراط فى التناول، وهو ما لم نتحمله من قبل ولن نتحمله فيما بعد.

توقفتُ مع الوثيقة أيضاً أمام عدة نقاط على قدر كبير من الأهمية، أرى ضرورة فتح حوار مجتمعى حولها، ذلك أن الشعب أولاً وأخيراً هو مصدر السلطات، وبالتالى فإن العناد أو عدم الاهتمام بهذه النقاط، يجعل من الحديث عن تذويب حالة الاحتقان فى الشارع لا جدوى منه، الأولى تلك المتعلقة بالعمل على استعادة (كل ما تم التفريط فيه) حسب تعبير الوثيقة، من أراض وحقوق مصرية، لا سيما ما يتعلق بمصرية جزيرتى تيران وصنافير، والحقوق التاريخية فى مياه النيل، والحدود البحرية المصرية بصفة عامة، الثانية المتعلقة بالتصدى للخطاب الإعلامى، الذى يشوِّه كل من يختلف مع السلطة، الثالثة عدم إشغال قواتنا المسلحة بكل ما من شأنه التأثير على مهمتها الأساسية.

أعتقد أن هذه الطريقة فى التعبير عن الرأى، والتى صدرت من خلالها الوثيقة، يجب التعامل معها إلى جانب الجدية، باحترام بالغ، ذلك أنها تؤكد أننا أمام شعب متحضر، عانى كثيراً من أزمات الصدام مع السلطة، فى وقت أصبحت فيه السجون متخمة، كما بلغ الاستقطاب والتصنيف حداً مبالغاً فيه، وسط اتهامات قاسية من الداخل والخارج على السواء، وأيضاً بلغ فيه سوء الظن من المواطن تجاه السلطة حداً غير مسبوق، فى الوقت الذى نال فيه وباء الإرهاب من المجتمع الكثير، وأصبح نزيف الدم شأنا مصريا يوميا، وهو ما يؤكد أهمية إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمواطن على كل المستويات، حتى يدرك الجميع أننا فى سفينة واحدة، وبالتالى فإن المصير واحد.

أتوقع أن تكون هذه الوثيقة أيضاً بداية صياغة جديدة لقضية الانتخابات الرئاسية المقبلة، والتى لا يفصلنا عنها سوى شهور معدودة، ذلك أنها تأتى فى ظل حالة من الإحباط، تصل إلى حد الاحتقان، بعد أن أصبح المواطن لا يرى فى الأفق حتى الآن ما يشير إلى شفافية كان يتطلع إليها، وبالتالى فإن الشارع فى حاجة إلى جديد يمكن من خلاله رؤية بصيص من الأمل أو الضوء فى نهاية هذا النفق المظلم، وأخشى ما أخشاه هو أن تستمر الأوضاع بالوتيرة نفسها حتى موعد الانتخابات، دون إدخال تعديلات واسعة على منظومة الحياة ككل، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، نتيجة قصور فى التفكير، وهو ما يجعل من الوثيقة وذلك الأسلوب فى الطرح، حبل إنقاذ أكثر من أى شىء آخر، إذا ما توافرت الإرادة والعقل فى آن واحد.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم