مجدي الدقاق يكتب: الزعيم المحبوب الذي لا يكرهه أحد

الأربعاء , 07 مارس 2018 , 02:38 م آراء ورؤى


مجدي الدقاق


أثناء رئاسته لمنظمة تضامن الشعوب الأفرو- آسيوية، روي لي أستاذي وأخي الكبير الكاتب والمفكر البارز الأستاذ أحمد حمروش، بعضًا من ذكرياته التي لم تنشر في كتبه التي سجلت صفحات مهمة من تاريخ مصر المعاصر، وكان حمروش منتميًا في شبابه لتنظيم يساري هو الأشهر في تاريخ التنظيمات اليساريه المصرية، الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني، ويطلق علية اختصارًا "حدتو"، وأحد رجال الصف الثاني في مجلس قيادة الثورة الذي قاد مصر عقب حركة يوليو 1952، ولم يتول منصبًا سياسيًا، وفضل تحمل مسؤولية مؤسسات إعلامية وثقافية لعبت دورًا بارزًا  في النهضة الفكرية والفنية والثقافية التي شهدتها مصر خلال فترة الستينات، وظل لفترة رئيسًا لمنظمة التضامن، التي لعبت دورًا مهمًا  في التقارب بين شعوب القارتين الأفريقية والآسيوية، ودول عدم الانحياز في مواجهة الصراع الدولي بين القطبين الكبيرين، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية .

وخلال هذة الفترة في آواخر الثمانينات، ترأس حمروش وفدًا من أعضاء منظمة التضامن يتألف من 6 شخصيات مصرية، وزار جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، وهو الاسم الرسمي لكوريا الشمالية، وعقد عدة اجتماعات مع منظمات شعبية وقيادات حزب العمل الكوري، انتظارًا للموعد الكبير مع الرئيس كيم إيل سونج رئيس الجمهورية، وفي كل لقاء كان الكوريون يرحبون بالوفد المصري قائلين "أهلًا بكم في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، بلد الزعيم المحبوب لأربعين مليون كوري"، وتحدد موعد اللقاء مع الرئيس كيم، واستقبل الوفد المصري وقام أحد مساعديه بتقديم الوفد ثم كرر الجملة الذي سمعها الوفد في كل اللقاءات، قائلًا الفقرة الأخيرة مرتين "بلد الزعيم المحبوب لأربعين مليون كوري"، وهنا غلب الطابع الفكاهي أحد أعضاء الوفد، وعدل رقم المحبين قائلًا: "الزعيم المحبوب لأربعين مليون كوري، وسبعة مصريين ".

الطريف أن المترجم أسرع في نقل العبارة بالكورية، واستحسن الزعيم ومساعدوه، حب 7 مصريين للزعيم المحبوب، ليضاف إلي الأربعين مليون كوري، ولم ينتبه أحد لطبيعة الدعابة، التي تحمل أكثر من معني !

وعندما روي لي الأستاذ حمروش هذة الواقعة، ضحكت وقلت له ، ألا يوجد كوري واحد يكرة الزعيم، أو يختلف معه، أو حتي "زعلان" منه؟، فضحك ضحكة عالية عبرت عن إعجابه بسؤالي المغلف بالاستنكار والدهشة ولم يعلق وهو السياسي والدبلوماسي والمثقف المحنك .

أعترف أنني في صباي كنت مبهورًا بتجربة "ماو" في الصين، و"كيم" في كوريا، و"كاسترو" في كوبا، والعم  "هوشي" في فيتنام، بالطبع بالرفيق الحديدي جوزيف ستالين، بالمقابل، كان موقفي حادًا ورافضًا لنازية "هتلر" وفاشية "موسوليني"، وغباء "فرانكو"، وكل الديكتاتوريات العسكرية في دول أمريكا اللاتينية والعالم الثالث ولكن إعجابي بالرفاق واشتراكيتهم، زلزلتها ميولي الإنسانية نحو الحريات وحق الإبداع والاختيار وعززتها تلك القصص القادمة من خلف بلدان الستار الحديدي بالتعبير المستخدم من خصوم المعسكر الاشتراكي !

صحيح أن بعضها تم "فبركتها" من قِبل أجهزة الغرب الاستعماري، وبعض نجومها المنشقين تم تحضيرهم في معامل الاستخبارات الغربية والأمريكية، وكل ما شهدته ساحات دول المعسكر الاشتراكي من "ربيع"، بدءًا ببراغ وصولًا لجدانسك في بولندا، تم وضع خطوطه العريضة في غرف عمليات حلف الأطلنطي، ومكاتب CIA في واشنطن وعواصم أوروبية وتطورت بعد ذلك إلي ما عرف بالثورات البرتقالية، التي تم نقلها حرفيًا إلي عالمنا العربي باسم الربيع أيضًا.

ورغم انحيازي لأفكار العدل الاجتماعي والاستقلال الوطني، إلا أنني لم أكن مرتاحًا لفكرة عبادة الفرد، والزعيم القائد، وكيف نبتت الزهور عندما سقطت دموع الرئيس المحبوب علي الأرض فتحولت لشجرة مقدسة، أو عندما يتم نفي أديب أو مفكر ومصادرة إبداعه وإرساله لمعسكرات السخرة أو إعادة التأهيل، أو انشقاقات الرفاق ثم مطاردتهم واغتيالهم أو سجنهم، أو سجن شاب أحب فتاة فرنسية بتهمة الاتصال بأجنبية .

فكرة "الرئيس القائد"، المعلم، الملهم، الفيلسوف، المرجع، الخالد أبدًا، فكرة هزمها الزمن والواقع، وأصبح من الضروري البحث عن الرئيس المواطن، الإنسان، الذي يأتي هو وحزبه بالانتخاب الحر وبمحبين ومؤيدين لا يتجاوزون 60% من عدد الناخبين وليس مهما أن يحبه أو ينتخبه 99% من الشعب !

 


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*