شريف العصفوري يكتب: أدب الثورة رواية "قريبا من البهجة" أحمد سمير

الإثنين , 12 مارس 2018 , 03:34 م آراء ورؤى


شريف العصفوري


هذه هي الرواية الثانية التي تتخذ من الثورة محورها الرئيسي، أحمد سمير من مواليد 1981، و هو من الجيل الأول الذي تربى في "الصحوة الإسلامية"، هذا هو جيل الثورة فعلا، على هرم التركيبة السكانية انبعاج يشير إلى تضخم سكاني هو ذلك الجيل ، جيل أحمد سمير هم ضحايا فساد التعليم ، و إهتراء الدولة و نظامها الإداري، و جيل يعرف البطالة إلى أبعد مدى ، يتهادن مع الظلم و ينتظر الخلاص في "دولة الخلافة".

وائل منصور صحفي ، يماثل أحمد سمير في السن و التعليم والتكوين المهني و النزوع السياسي، و السكن و الجيرة مع شخوص الرواية، وائل منصور هو رواي الحكاية ، بنيان الرواية مبتكر، هي لشخوص الرواية، كل شخصية لها بابها و فصلها المستقلين، ثلاثة وثلاثين شخصية، بكل فصل التوازي الزمني والتقاطع مع شخصية وائل منصور، التقاطعات الزمنية تمثل حركات فصل ، هكذا مفردة بالتاريخ.

الرواية تتمهل في الأول في وصف شقاوة المراهقة و لا نلتفت أن أول فصل في الرواية هو لشهيد ثورة ، و بعد رحلة في الثورة تنتهي الرواية بفصل لأم الشهيد .

لغة الراوي الشبابية ، لغة حية ، أحيانا تتطعم بالعامية و خصوصا عندما تصف الحالة بدقة و صراحة متناهية دون مواربة على ألسنة شخوصها . لغة الراوي تدثرت بلغة العربية التي تدرسها المدارس الحكومية ملغومة بآيات القرآن ، و لكن الراوي حور في الآيات و الحديث الشريف ليلقي  علينا بقنابل من الحكمة المروعة أو أحيانا كوميديا سوداء نضحك بها على حالنا و سلوكنا نحن " المصريون" .

الراوي اختار أن يشرح لنا تفاعله مع الشخصيات الكثيرة ، دون إدانة مسبقة لمواقفهم في الحياة أو مواقفهم السياسية ، بالحد الأقصى من التعاطف ، و الحد الأقصى للتفاعل و التسامح . الراوي كما ينبغي أن يكون متسامحا عفوا ، يريد أن يصف لنا و ينقل الصورة لنشكل وعينا مستقلا عن الصور النمطية وسط ضجيج الحرب الأهلية الكلامية التي نعيشها ، في بيوتنا و شوارعنا و إعلامنا ، لا تخلو التعبيرات من الطرافة و الفكاهة ، فالحكمة تقتضي أن نعبر تاريخنا القريب المأزوم و المهزوم بالإبتسامة و المرونة.

سوف أنقل إليكم عينات من الشخوص و مآثرها الكلامية التي تزيح جبالا من التعمية و أثقالا من سوء الفهم و القصد . سمية أسامة عودة بنت خالة وائل ، تتمرد على والدها الإخواني و تريد عريسا كيفما كان و تقول " أي حاجة لا مؤاخذة موجب و بفيشة على العريس" .  أخو سمية حذيفة المحبط لأن الثورة الإسلامية التي تأتي بالخلافة و تنتصر لها السماء و الملائكة في سلبيته عن الدفاع عن سائق تاكسي كبير السن يقع فريسة سائق تاكسي و سائق ملاكي في شجار " كلوا بعض يا أولاد القحبة .. كلوا بعض كلكم يا أولاد القحبة" .

محمود شعلان الإخواني الذي يصل بإخوانيته حتى اللجان النوعية و ينتهي به الأمر في تصفية جسدية " عندما تقرأ برسيل بالمقلوب هي ليس رب " .

ثم على لسان الراوي عن صديقه محمد رفيق المعتقل "إذا قبض على ابن آدم انقطع دخله إلا من أموال التنظيم " .

ثم حكمة الخالة عفاف عودة " بصي يا بنتي و اعتبريها قاعدة.. أول ما تلاقيرجل يعرف يضحكك اتجوزيه أو صاحبيه أو بوسيه على طول .. اللي تقدري توصلي له اعمليه" .

عفاف عودة تقول لإبنها الإخواني الذي يناديها يا أمي "طيب و النبي بلاش يا أمي دي..أنا اسمي ماما ..بتحسسني أنك خارج من فيلم كارتون مدبلج" .

الزوجة منال البدري تنصح زوجها الصحفي بالسلبية تجاه الإحتجاجات و المظاهرات "ماذا يفيدك إن كسبت كل شئ ثم خسرت جواز سفرك " .

يونس الدجوي ضابط أمن الدولة و جار الصحفي وائل يقول "البرئ عندنا يخرج في الآخر و لو بعد اربعين سنة" !! . و في تبرير التصفية خارج القانون "الدين بيقول "اقتلوهم حيث ثقفتموهم.. ده كلام ربنا عن الخوارج أمثال قريبك" .

كارولين الأعصر ، زميلة الصحفي في كلية الآداب ، مصرية مسيحية تتوق لمجتمع جديد تتخلص فيه من التحرش و الدونية و تعلى فيه قيم المواطنة و المساواة ، تصف التحرش الموجه ضدها بسبب ملابسها و مسيحيتها :" ده الهيجان الإسلامي الوسطي الجميل" . شاب بلحية خفيفة في مظاهرات الإحتفال بنجاح محمد مرسي ( كارولين كانت مع عبد المنعم أبو الفتوح حتى تحالفه مع السلفيين) يضرب على سيارتها قائلا "بكرة نلبسكم الطرحة يا لبؤة.. و مرسي يقعدكم في البيت " . عندما تشتكي إلى محمد وفيق ( بمكتبه بالرئاسة ) الإخواني حال المسيحيين في دولة محمد مرسي ، يرحب بها ثم يشتكيها إلى صديقهما المشترك وائل "عندنا مؤامرات علينا و على البلد كلها من الدولة العميقة و الكنيسة و الحزب الوطني..و الهانم اللي كل أمانيها إنها تشرب كأسين في بار و تعري رجلها للناس ، و جاية تشتكي من خطاب طائفي".

أحمد فكري طالب فقير زميل في كلية الآداب و يعمل لتوفير مصروفه اثناء الدراسة و يتميز ببداهة و خفة دم المصري النادرة و الأسطورية " البلد دي ربنا حيفضل نازع منها البركة طول ما بيغلوا السجاير" .

أسماء منصور الأخت الذي تحب الإخواني إبن خالتها ، الذي لم يتعاطف مع التحرش بها في مظاهرات 30 يونيو ، و لم يشجب تعريتها و ضربها بالمطواة ، تبكيه في موته " وهو حد يرضى إن عرض بناته يتهتك ؟ أكيد طبعا محمود و لا كان قصده يا خالتي " .

محمد مهدي صحفي يعمل في نفس الجريدة يضطر إلى ترك القاهرة و العيش في النمسا بعد التضييق عليه من الإخوان و من نظام 3 يولية 2013 ، يقول لزميله "عارف يا مجدي .. جيش الخلافة العثمانية حاصر فيينا .. لو كان دخلها كان زمان الجيش النمساوي منع الإنتخابات هناك عشان افخوان ميفزوش .. و كان زمانها نسخة من امبابة و بولاق .. لكن نفدوا أولاد الذين".

الرواية جميلة وجامعة واصفة لسكان السيدة زينب و سياساتها و انتخاباتها و صراعتها و القادمين إليها من الصعيد و من بحري ، و مهن أصحابها من اصحاب القهاوي حتى البلطجية و الطلبة و التلامذة و المدرسين و الصحفيين ، و إلقائهم علي جانبي الصراع من أجل المستقبل ، مرة مع أو ضد مبارك ، مرة ثانية مع أو ضد مرسي ، و مرة ثالثة مع أو ضد نظام 3 يوليو 2013 . بشفافية و أمانة وصدق .

إلتقيت الكاتب أحمد سمير في فبراير الماضي ، و كان منغمسا تماما في ذاتيته ، وربما لم يحسن تقديم روايته ، أتمنى أن أكون أحسن منه في تقديم رواية ملحة و معاصرة للمشهد الإجتماعي و السياسي المصري من 1994 حتى 2016 .