هالة فودة تكتب لـ«الطريق»:هل السعادة حق دستوري؟

الجمعة , 22 أبريل 2016 , 10:20 ص آراء ورؤى


هالة فودة


في ورشة عمل عن حقوق الإنسان في دساتير ٢٢ دولة شاركت فيها منذ عدة سنوات، استوقفني أن دستور اليابان ينص على حق المواطن الياباني في السعادة و وجدت في ذلك استفزازاً صريحًا للمواطن المصري الذي يجاهد ليحصل بالكاد على الحق في البقاء على قيد الحياة.

ثم جاءت دولة الإمارات لتعيد لي الشعور بالحسرة عندما أعلنت مؤخراً عن وزارة للسعادة تسعى لكفالة ذلك الحق لمواطنيها وتستطلع آرائهم لتعلم ماذا ينقصهم حتى يكونوا سعداء؟... نعم، اعترف أن مثل هذه الأخبار الآتية من كواكب صديقة ولكنها بعيدة جغرافياً وفكرياً عن كوكبنا الكادح، تثير في نفسي الكثير من الحسرة والألم وأنا أعايش ملايين المصريين يومياً الذين لا يبحثون عن السعادة بل ينحصر كل جهدهم في الإفلات من الموت أو انتهاك كرامتهم الإنسانية لأتفه الأسباب وأحياناً بلا سبب.. فالمواطن الذي يقتات من نصبة شاي بسيطة في أحد الميادين، أو يجوب شوارع المدينة بتاكسي أوبتوك توك نظير جنيهات معدودة أخر اليوم، أو يتوجه لقسم الشرطة لقضاء مصلحة، أويزاول عمله كطبيب مناوب في مستشفى حكومي يفتقر لأبسط الاستعدادات الطبية، ولا يدري إن كان سيعود لمنزله في نهاية يوم من الشقاء ليسد جوع أفواه كثيرة أم سيكون مصيره رصاصة طائشة من أمين شرطة تستقر في جسده وتشتت من بعده مَن كانوا يشاركونه نفس الجريمة، الرغبة في الحياة أو بالأصح.. البقاء على قيد الحياة.. هل يمكن لهذا المواطن أن يبالغ في طموحاته ويتطلع إلى ما لم يكن أبداً حقاً له و لا حلماً يداعب خياله من السعي إلى السعادة؟... في هذا السياق القاتم، تبدو السعادة و كأنها مطلباً شديد العبثية وبعيد كل البعد عن واقعية الحياة البائسة التي يحياها ملايين المصريين على أمل انفراجه قريبة في الحال لا تأتي أبداً. 

لماذا نجح الآخرون فيما لم نحاول نحن الوصول إليه؟ هل تختلف حقوق الإنسان حقاً وفقاً للمعايير المصرية عن مثيلتها الأوروبية و العالمية؟ هل السعادة حق تنفرد به دول العالم المتقدم دون غيرها من الدول التي مازالت تشق طريقها للديمقراطية؟ هل حقوق الإنسان درجات ومكاسب مؤجلة و جزره تلوح بها الأنظمة الديكتاتورية للشعوب ولا تمنحها لها أبدا لتظل في كفاح وشقاء مستمر يشغلها عن مراقبة تلك الأنظمة الفاسدة ومحاسبتها؟ 

خلال ما يقرب من عامين من تولي السيسي رئاسة الجمهورية، تحدث الرئيس عن حقوق الإنسان مرات تُعَد على أصابع اليد الواحدة، منها لقائه الأخير مع ممثلي فئات المجتمع المصري ثم المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الفرنسي فرنسوا أولوند، فذكر في اللقاء الأول أن حقوق الإنسان تشمل الحق في العلاج والمسكن الجيد (و هي ما يعرف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي يجب على الدول والحكومات أن توفرها لمواطنيها والتي نعلم جميعا أن المواطن المصري لا يكاد يحصل عليها).

وأضاف إليها "الحق في وعي حقيقي وناضج ولا يتم تغييبه"، فوجدت نفسي أتسائل: و كيف للدولة أن تمنح المواطن "الحق في الوعي" الذي من المفترض أنه نعمه من نعم الخالق يتميز بها الإنسان عن الحيوان؟؟ و كيف للمواطن أن يحافظ على وعيه فيكون "ناضجًا ولا يتم تغيبه" إذا ما كانت الدولة تتعامل معه بمنطق أبوي خالٍ من الشفافية وتداول المعلومات والرئيس في كل مناسبة يخاطب المواطنين كجنود عليهم فقط الانصياع لأوامره وعدم الجدال: "ما تناقشوش"، "ما تسمعوش كلام حد غيري"، "الموضوع ده ما يتفتحش تاني"؟ 

وفي نفس اللقاء، تحدث الرئيس عن أن حرية التعبير مكفولة في مصر، بدليل ما يكتب في الصحف وفي وسائل الإعلام، متابعاً: "هاتوا الجرائد النهارده و امبارح، و شوفوا الكلام اللي بيتقال هل كله علي هوانا"؟ لماذا يفترض الرئيس أن كل ما يكتب يجب أن يكون متمشياً مع خط الرئيس و الدولة؟ ألم يسمع الرئيس عن المذيعين الذين تم إيقافهم عن العمل و مانشيتات الجرائد التي تم تغييرها في أخر لحظة والمحبوسين على ذمة قضايا التعبير عن الرأي؟

والغريب أن الرئيس في نفس اللقاء عندما تحدث عن مقتل ريچيني على إثر تعذيب وحشي لم يتطرق لبشاعة الجريمة ولا تعامل الحكومة والداخلية مع القضية باستخفاف كان ضحيته خمسة أبرياء تم تصفيتهم جسديًا ومحاولة إلصاق التهمة بهم، الأمر الذي قد يؤدي إلى أزمة دبلوماسية مع دولة تعد من أكبر حلفائنا الاقتصاديين، بل انتقد الرئيس طريقة تناول الإعلام للقضية وتعامل مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي معها قائلاً:  "نحن من صنعنا الأزمة في هذه القضية و ورطنا مصر فيها".  

و حتي عندما تطرق الرئيس للحديث عن النقابات و دورها في العمل العام، أضاف: " بلاش نشتغل ببعد سياسي"، منكراً على النقابات الحق في التنظيم و المطالبة بحقوق أعضائها و معتبراً ذلك بعداً سياسياً يخرج عن إطار عملها. 

والطريف أنه في نهاية اللقاء، توجه أحد النواب بسؤال للرئيس فكان نصيبه التوبيخ من الرئيس لانه لم يأذن لأحد بالكلام وتم قطع البث المباشر للقاء في إشارة واضحة لمدى حرية التعبير. 

وفي المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الفرنسي، أكد الرئيس مرة أخرى على ذات المعنى من أن حقوق الانسان تشمل الحق في التعليم و العلاج و السكن و أن الحديث عن تجاوزات في سجل حقوق الانسان في عهده "هو من صنع قوي الشر التي تريد هدم مصر" و كأن قوي الشر تلك هي من يقوم بتعذيب المواطنين في أقسام الشرطة و السجون، و هي من يتخذ من الحبس الاحتياطي عقوبة، و هي من يقوم بالإخفاء القسري، و من يعاقب المواطنين بالسجن  تارة بتهمة ازدراء الأديان و تارة خدش حياء المجتمع، و هي من يحبس المدافعين عن سيادة مصر علي أراضيها و ملكيتها للجزر و من يلاحق منظمات المجتمع المدني علي جريمتها في رصد و توثيق انتهاكات حقوق الانسان و من يقوم بتصفية المعارضين جسدياً دون محاكمات عادلة. و أنا لا أختلف معه في هذا الحديث، فقوي الشر التي تريد هدم مصر هي من يقوم بكل ذلك، فقط أختلف معه فيمن هي تلك القوي المعلومة لنا و  له و التي تأتمر بأوامره.

 و الحديث عن الحرب علي الارهاب ليس عذراً مقبولاً للتغاضي عن حقوق الانسان الاساسية و التي لا تحتمل التأجيل ليوم قريب أو بعيد، و لا يجب أن يؤخذ كذريعة لتصفية الشرطة حساباتها مع المواطنين، فلجوء الدولة لاستخدام العنف المفرط هو ما يؤجج الإرهاب و يدخلنا في دائرة لا تنتهي من العنف والعنف المضاد لن يخرج منها أي طرف منتصراً بل ستؤدي إلى الهدم الفعلي للدولة ومؤسساتها. 

إن الحق في الحياة والحق في السعادة لا يفترقان.. فمتى كتبتم علينا الشقاء، كُتِبت على أنظمتكم و حكوماتكم الفناء.



مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم