معصوم مرزوق يكتب: أمريكا التي نكرهها.. وننام معها!

الأحد , 15 أبريل 2018 , 06:06 م آراء ورؤى


السفير معصوم مرزوق


كان الرجل الكبير قد كلف الدبلوماسي الشاب بأن يكتب تقديراً للموقف يحدد فيه تطور العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية ، وكان ذلك يعد تحدياً كبيراً أخذه ذلك الشاب بإهتمام كبير لأنه كان قد بدأ خدمته في وزارة الخارجية قبل أسبوع واحد فقط ، وكان ذلك أول عمل حقيقي يطلب منه إعداده.

أنهمك الدبلوماسي لعدة أيام في إعداد مصادره وجمع المادة ، وأثناء ذلك كان يكتشف أشياء لأول مرة خاصة كلما أوغل في الوثائق السرية ، ولم يهنأ براحة أو بنوم حتي ينتهي من إعداد عمله في توقيت يسبق التوقيت الذي حدد له .. وبالفعل ، كاد أن يسقط منهكاً وهو يقدم التقرير إلي الرجل الكبير ..

بعد أن انتهي الرجل من القراءة ، كان الدبلوماسي الشاب يترقب باهتمام الكلمة الأولي التي ستخرج تعليقاً علي مجهوده .. أشعل الرجل الكبير سيجاره الضخم ، ثم دار حول المكتب طالباً من الشاب البقاء جالساً ، ثم قال بعد برهة بصوت عميق : " لقد بذلت مجهوداً كبيراً .. ومشكوراً .. ولكن هل تعرف كيف تلخص ذلك في جملة واحدة ؟ " ، وقبل أن يفتح الشاب فمه ، استطرد الرجل بهدوء وهو يهز رأسه وكأنه نبي يتلو آيات اليقين : " العلاقة بيننا وبين أمريكا ، تشبه العلاقة بين رجل قضي وتره من عاهرة ، وعندما ألقي لها بثمن المتعة وهم بالخروج أمسكت بساقيه متشبثة به وهي ترجوه البقاء وممارسة ما يشاء من العهر حتي دون أن يدفع ".

قال الرجل الكبير المحترم كل ذلك بألفاظ سوقية لا يمكن وضعها في مقال يراه الناس ، بينما الشاب يتصبب عرقاً وهو يحاول عبثاً أن يعلق بأي شيئ .. ولكنه بعد أن عاد إلي مكتبه ، أكتشف أن الرجل الكبير قد قام بالفعل بتلخيص الصفحات العديدة التي سهر في كتابتها .. وقال ذلك لزميلته في المكتب بأقل قدر من الألفاظ السوقية التي سمعها ، وأدهشه أنها أيضاً تتفق تماماً مع ذلك التلخيص البليغ!.

لذلك لم يندهش ذلك الدبلوماسي عندما استمع بعد سنوات إلي وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس وهي تصف علاقتها بالرئيس بوش الإبن بأنها تراه مثل زوجها!.. ورغم أنها كانت زلة لسان ، لكنها عكست بلا شك تلك العلاقة النفسية المعقدة التي تحكم علاقات أمريكا بالعالم آنذاك ، والتي ربما نجد تفسيرها فقط في كتابات فرويد .

وتكشف الوثائق الأمريكية أنه في صيف 2006  حاول سكاوكروفت ( وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في عهد كلينتون ) أن يلتقي بكوندليزا رايس كي يقنعها بإستراتيجية جديدة للتحرك في الشرق الأوسط ، وكانت الخطوط العامة لتلك الإستراتيجية هي نتاج جهد قام به فريق عمل يتكون أغلبه من مسئولين سابقين في إدارة بوش الأب ، وأبرزهم جيمس بيكر (وزير خارجية أسبق) ولورنس إيجلبيرجر (وكان بدوره وزير خارجية أسبق).

الحقيقة أن سكاوكروفت كان يحاول جاهداً منذ أن تولي بوش الإبن رئاسة أمريكا أن يخفف من غلواء السياسة الأمريكية المتشددة في الشرق الأوسط ، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 الإرهابية ، ولكن بوش الإبن لم يكن ينصت إلي كل من سبق لهم العمل مع أبيه ، وكانت الأساط الدبلوماسية وقتها تتحدث عن العلاقة الغريبة بين الأب والإبن ، ومثال ذلك أنه عندما توجه أحد الصحفيين إلي بوش الإبن بعد غزو العراق وسأله عما إذا كان يستشير أباه بوش الكبير في سياساته ، فابتسم بوش الصغير ساخراً وقال : " إنما أستشير فقط أبي الذي في السماء " وهو يشير إلي سقف الحجرة.

كانت الإستراتيجية الجديدة التي يحاول سكاوكروفت عرضها علي كونداليزا رايس تتركز علي محاولة إيجاد مخرج لإدارة بوش الإبن من مستنقع العراق ، وتعتمد بشكل أساسي علي إعادة التركيز علي الصراع الإسرائيلي / الفلسطيني ، وإظهار إهتمام الإدارة الأمريكية بالتوصل إلي حال عاجل للمسائل العالقة في التفاوض آنذاك كبداية أساسية لتحسين صورة أمريكا في الشرق الأوسط.

ورغم أن رايس أبدت موافقتها علي الخطة ، إلا أن المشكلة كانت في كيفية إقناع بوش بها ، ولكن لقاؤها مع سكاكروفت قد أثمر علي الأقل في إحداث تغيير محسوس في اتجاه وزارة الخارجية الأمريكية ، حتي وصل إلي أن فيليب زبليكوف ( أحد كبار معاوني رايس ) صرح بأنه لا مفر من تناول الصراع الإسرائيلي / الفلسطيني إذا كانت الإدارة الأمريكية ترغب فعلاً في الحصول علي دعم المعتدلين من الدول العربية ، وكذلك الأوربيين ( نشر التصريح في النيويورك تايمز في 6 سبتمبر 2006 ).

وفوجئ الجميع بنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني يعارض بشدة ذلك التصريح ، في حين هب اللوبي الصهيوني وأذرعه الإعلامية كي يقذف بسهامه في إتجاه رايس التي أضطرت في النهاية إلي التراجع ، وسارعت وزارة الخارجية الأمريكية إلي إصدار بيان رسمي تنفي فيه وجود رابط (Linkage ) ما بين المسألة الإيرانية وبين الوضع الإسرائيلي / الفلسطيني ، مع إنكار أي تغيير في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

وفي النهاية اضطر فيليب زبليكوف إلي الإستقالة من منصبه في الخارجية الأمريكية يوم 27 نوفمبر 2006 .

ومع ذلك ، قامت مجموعة العمل بتقديم تقريرها إلي الرئيس الأمريكي ، والذي أبدي أيضاً ترحيبه الشديد وصرح للإعلام أن إدارته سوف تراعي ما ورد في ذلك التقرير ، لدرجة أنه ساد شعور بأن " مجموعة عمل العراق " برئاسة جيمس بيكر قد نجحت في تغيير دفة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ، إلا أن الحقيقة هي أن بوش الإبن كان يعلم أن قبوله بإستخلاصات ذلك التقرير يعني قبوله بالفشل ، وهو لا يستطيع ذلك .

وبمراجعة مواقف الدول العربية خلال نفس الفترة ، يسهل أن نلاحظ إنبطاحها الكامل أمام أهواء السياسة الأمريكية ، وما تقوم بتسويقه لغسيل وجهها الأسود في المنطقة ، وسوف نجد ما يشبه ذلك حتي الآن ، حين يتجه الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب إلي زيارة القدس الشهر المقبل كي يدشن إعلان القدس بشكل رسمي عاصمة لدولة الكيان الصهيوني مع نقل السفارة الأمريكية إليها .. سوف تجد الكثير من بيانات " نشجب ونستنكر ونرفض .. ونصلح ساعات " العربية ..

لذلك عندما سألتني إحدي الصحفيات عن الرأي في العدوان الأمريكي الأخير علي سوريا لم أجد سوي أن أستعيد رأي الرجل الكبير الذي ذكره لدبلوماسي شاب قبل أربعين عاماً .. مع نزع الألفاظ السوقية كلما كان ذلك ممكناً ، ولكن تبقي الحقيقة ، أنه بالرغم من قرارات الجامعة العربية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع أي دولة تنقل سفارتها إلي القدس ، فأنه ليس من المتوقع أن تمتلك تلك الجامعة الجرأة كي تتخذ هذا القرار ضد الولايات المتحدة الأمريكية .. أننا معها علي نفس الفراش !! ..قد احترفنا العهر ونمسك بساقيها حتي لا تتركنا .. وكأننا نريد مواصلة الإستمتاع بعارنا ...


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم