سامح سعيدعبود يكتب لـ«الطريق»: مبادرة تعلم.. تحرر

الثلاثاء , 26 أبريل 2016 , 02:18 م آراء ورؤى


سامح سعيد عبود


يتبنى عدد من شباب الثورة هذه المبادرة، وبدأوها بالفعل في عدد من الأحياء الشعبية والقرى، وتعرض أحدهم للقبض عليه لأيام بسبب مشاركته في المبادرة في أحدى تلك الأحياء، الأمر الذي انعكس سلبيا على التجربة هناك، ولذلك أرجوا من الشباب أن يتوخوا الحذر في التجارب الأخرى، ولا يقعوا في نفس الأخطاء.

بدأت التجربة ثم مبادرة نشرها، عندما لاحظ الشباب إن أولياء الأمور المصريون يدفعون حوالي 17 مليار جنية سنويا على الدروس الخصوصية، غير المصاريف الدراسية، لكي يحصل أبنائهم على شهادات دراسية تؤهلهم لوظائف لا يجدونها بعد الدراسة، وتؤهلهم لمهن مرموقة لا يتعلمون أصولها ولا يجيدونها.

ولأن الطلب الفعلي لدى الأباء والأبناء هو مجرد الحصول على الشهادة لا التعلم نفسه، لذلك انتشر في مصر الغش العلني والجماعي من مرحلة الروضة لمرحلة الدكتوراة، وأصبح هو القاعدة العامة التي يثبتها الاستثناء، وأصبحت الدروس الخصوصية لا تهدف للتعليم، بقدر ما تهدف لحفظ الإجابات النموذجية للإجابات المتوقعة، والمطالبة بتسهيل الامتحانات واختصار المناهج، ومن ثم لا يتلقى الأبناء  تعليما جيدا، رغم التكلفة العالية للتعليم، كما أن المدرسين أنفسهم يطحنون في تلك العملية بعد اليوم الدراسي الرسمي الذي يحصلون مقابله على مرتبات متدنية، وبرغم ذلك تنتشر الأمية بكافة أشكالها في أوساط الأطفال والصبية، كما تنتشر بين الكبار، سواء المنتظمين في المدارس، أو الذين تسربوا من التعليم، أو من لم يدخلوا المدارس أصلا، ورأى شباب المبادرة إن الحل هو تنظيم مدراس تعاونية شعبية يساهم فيها أولياء الأمور والمدرسين، ليضمن أولياء الأمور خدمة تعليمية جيدة ورخيصة لأولادهم، ويضمن المدرسين عبرها فرص عمل مجزية ومريحة في نفس الوقت.

والمبادرة لا تؤسس تعاونيتها وفق قوانين التعاون، ولكنها تؤسس تعاونيات واقع حرة ومستقلة بعقود مدنية، وهي ليست تعاونيات تعليمية فقط، بل تقدم الخدمات الثقافية الشعبية الحرة والقائمة أيضا على مشاركة مقدمي الخدمة ومستهلكيها، فالتعليم الحكومي إن وجد لا يحقق جودة تعليمية وحتى لا يقدم أدني تعليم نظرى أو عملى، إلا في أضيق الأطر، وأيضا تتميز هذه الفكرة بقلة اعتمادها علي التمويل الخارجى، والبعد عن برامج التمويل الدولية، مما يضمن عدم التدخل الخارجي في مسارها، وضمان عدم انحرافها، وإنها لا تمثل عبء كبير علي من يقومون بالعمل، حيث إنه مع توزيع المهام يقل الوقت والجهد المبذول بشكل كبير، وأيضا لا يوجد تحمل لأعباء مالية كبيرة في التأسيس، خصوصا في ظل استخدام الوسائط الإلكترونية والنت، وإنه مع نجاحها، وبدايه تحقيقها لأرباح مالية، يمكن أن تحقق الاكتفاء الذاتي في الموارد المالية، ومع تدريب كوادر من الأهالي مع الوقت، يمكن أن يتم تحميل مسئولية الإدارة بالكامل الأهالي المشاركين من التعاونية .

هذا المشروع التعاوني يجمع بين مقدمي الخدمة أي المدرسين، ومتلقي الخدمة من أولياء الأمور وأبنائهم، ويمكن أن يبدأ  بعدد صغير بشرط أن يفهموا شروط العمل التعاوني، وأن لا ينحرف المشروع للطريق التجاري الاستثماري، واستغلال حاجة الناس بالأساس، وألا يكون داخله أي نوع من أنواع العمل المأجور، وأن تتوفر فيه مباديء الهوية التعاونية وأهدافها وقيمها.

وأن يتم السماح لمتلقي الخدمة بالمشاركة في التعاونية، وحضور اجتماعات الجمعية العمومية، والانتخاب داخل الجمعية العمومية، بشرط أن يدفعوا قيمة مساهمتهم في التعاونية، وأن يتم بمجرد طلبهم للعضوية وشراءهم للأسهم، وتسليمهم مهام عمل، ليتم فيها اختبارهم وتدريبهم، ولضمان عدم انحراف التعاونية.

والخدمات التي يمكن أن تقدمها التعاونية هي محو الأمية للكبار، ومحو الأمية للأطفال والشباب المتسربين من التعليم مع برامج تثقيفية وتعليمية متنوعة، والاستفادة من الإنترنت من أجل التعليم المستمر والحر، وتقديم خدمات التعليم والتثقيف والتدريب للمنتظمين في التعليم المدرسي، كبديل رخيص وأفضل، عن مجموعات التقوية، والدروس الخصوصية، مع محاولة الالتزام قدر الإمكان بالمناهج الدراسية، وتعويض تخلفها بتنمية قدرات البحث والتفكير والتعليم الذاتي المستمر والحر لهم، ومحاولة تنمية القدرات الفنيه والأدبية والعلمية للمستفيدين من الخدمة، وعقد دوري لندوات ثقافيه أو أدبية أو سياسية أو علمية، والمساعدة على التفدم للحصول على شهادات من الخارج بالمراسلة.

تستلهم هذه المبادرة تجارب عملية، ونظريات تربوية عالمية، منها على سبيل المثال:

التعليم عند المفكر الأناركي الإنجليزي ويليام جودوين، هو "الوسيلة الرئيسية التي يمكن من خلالها تحقيق التغيير الاجتماعي، لتطوير الوعي البشري تدريجيا بحيث يكون مؤهلا للتغيير المأمول في التحرر الإنساني"، ويرى  جودوين أن الهدف الرئيسي من التعليم، يجب أن يكون تعزيز السعادة واحترام الحكم الذاتي والاستقلالية الذاتية للطفل، الذي يمنع أي شكل من أشكال الإكراه، وعلى المعلمين أن يحترموا هذا، ويسعون إلى البناء على الدوافع الذاتية والمبادرات الخاصة للطفل، فالطفل في ظل التعليم الحكومي لا يستطيع مقاومة الأيديولوجية، والميمات الثقافية، والقيم، والمفاهيم، التي تنتقل إليه عن طريق المدرسة في هذه السن خصوصًا مع تعوده على التلقين، وعدم التفكير والمناقشة؛ وفي كتابه العدالة السياسية ينتقد جودوين التعليم الذي ترعاه الدولة "بسبب تحالفه الواضح مع الحكومة الوطنية التي تمثل مصالح الطبقات المالكة والحاكمة وترعاها"، ضد مصالح المحكومين والمحرومين.

 في حين قدم الأناركي الأميركي يوشيا وارن الخبرات التعليمية البديلة في المجتمعات التحررية، التي أسسها في القرن التاسع عشر.

أما ماكس شتيرنر فكتب عام 1842 مقال طويل، حول التعليم يسمى المبدأ الزائف في التعليم لدينا، أسمى شتيرنر مبدأه التعليمي البديل بـ"الشخصاني"، موضحا أن فهم الذات تتكون في ساعة التكوين الذاتي. التعليم بالنسبة له هوتكوين "الرجال الأحرار عقلا وجسدا، والشخصيات المستقلة ذات السيادة على ذواتها" والذي يقصد بها "شخصيات أبدية.. لأنهم يشكلون أنفسهم بأنفسهم في كل لحظة"، وأوضح شتيرنر أن التعليم سواء على طريقة الإنساني الكلاسيكي أو الأسلوب الواقعي العملي، لا يزال يفتقر إلى القيمة الحقيقية، فالتعليم الحقيقي هو القدرة على مساعدة الفرد في أن يصبح فردًا مستقلا ذاتيا وحرا.

في عام 1901، أنشأ الأناركي الكتالوني فرانسيسك فيرير أي جوراديا  المدارس "الحديثة" أو التقدمية في برشلونة، في تحد للنظام التعليمي الذي تسيطر عليه الكنيسة الكاثوليكية، وكان  الهدف المعلن لتلك المدارس "توعية الطبقة العاملة بمناهج عقلانية، علمانية وغير قسرية"؛ معادية بشدة للسلطوية من أى نوع، وفيرير كان يعتقد في "حرية التعليم"، أي التعليم المتحرر من سلطة الكنيسة والدولة ورأس المال والسوق [291] كتب موراي بوكتشن عن ذلك: "كانت هذه الفترة [تسعينات القرن 19] ذروة المدارس التحررية والمشاريع التربوية في جميع المجالات في البلد التي مارس الأناركيون فيه قدرا هائلا من التأثير، ولعل الجهد الأكثر شهرة في هذا المجال هو مدرسة فرانسيسكوفيرير المدرسة الحديثة (ايسكويلا مودرنا)، وهو المشروع الذي مارس تأثيرًا كبيرًا على التعليم الكتالوني، وعلى التقنيات التجريبية للتعليم عموما.

كانت لا إيسكويلا مودرنا، وأفكار فيرير عموما، قد شكلت مصدر إلهام لمجموعة من المدارس الحديثة في الولايات المتحدة، وكوبا وأمريكا الجنوبية ولندن، وقد بدأت أولى هذه المدارس في مدينة نيويورك عام 1911، وملهمة أيضا لصحيفة جامعة بوبولار الإيطالية، التي تأسست في عام 1901.

تجربة فيرير توسعت لشبكة هائلة من التعاونيات التعليمية الشعبية الحرة، عبر أسبانيا كلها قبل الثورة الأسبانية، وكانت القاعدة التي تضخم على أساسها نفوذ وتأثير الأناركيين في أسبانيا، الذين لعبوا دورا رئيسيا في الثورة والحرب الأهلية التي تلتها، ويلاحظ أن تجربة موندراجون في إقليم الباسك بإسبانيا بدأت بمشروع تعليم عن التعاونيات ومعهد للتكنولوجيا، واستمر ذلك في الجامعة وشبكة المدارس التعاونية التابعة لموندراجون.

الأديب الروسي الأناركي المسيحي ليوتولستوي أنشأ مدرسة لأطفال الفلاحين في ضيعته، ولكن التجارب التعليمية لتولستوي لم تعش طويلا،  بسبب المضايقات من قبل الشرطة السرية القيصرية، ووضع  تولستوي الفرق المفاهيمي بين التعليم والثقافة، وقال إنه يعتقد أن "التعليم هو ميل رجل واحد لجعل آخر مثله تماما.. أي أن التعليم هو ثقافة تحت ضبط النفس، والثقافة حرة. التعليم هو عندما يكون التلميذ مجبر عليه، وعندما تكون التعليمات حصرية، عندما يدرسون هذه المواضيع التي يعتبرها المربي ضرورية".  بالنسبة له "دون إكراه يتم تحويل التعليم إلى ثقافة".

التقليد التحرري الأكثر رواجا في الآونة الأخيرة عن التعليم، هو اللامدرسية، والمدرسة الحرة حيث يحل النشاط الذي يقوده الطفل محل النهج التربوي، وأدت التجارب في ألمانيا إلى تأسيس ما أصبح يسمى مدرسة سمر هيل في عام 1921. وسمر هيل كثيرا ما يستشهد بها كمثال على الأناركية في الممارسة العملية، ومع ذلك، على الرغم من أن سمر هيل والمدارس التحررية الأخرى هي تحررية جذريا، فإنها تختلف من حيث المبدأ عن تلك التي كان فيرير يؤسسها على النهج القائم على الصراع الطبقي السياسي بشكل علني؛ بالإضافة إلى تنظيم المدارس وفقا للمبادئ التحررية، شكك الأناركيون أيضا في مفهوم التعليم المدرسي في حد ذاته، وقد شاع مصطلح اللامدرسية من قبل إيفان إيليتش، الذي جادل بأن المدرسة كمؤسسة مخلة بتعليم تحديد الذات، وتخدم خلق مجتمع استهلاكي بدلا من ذلك.

أما التعليم التعاوني، فهو أسلوب منظم للجمع بين الفصول الدراسية، مع التعليم القائم على الخبرة العملية المكتسبة من العمل مقابل أجر، فالتعاونية التعليمية توفر فرصة للطلاب للاستفادة من التعليم وتطبيقه على مكان العمل، ثم أخذ المعارف والمهارات التي يكتسبها التلاميذ في الفصول الدراسية إلى العالم الحقيقي.

الجمع في هذه التجارب يعطي الطلاب فرصة لاكتساب خبرة عملية، والتدريب والمعرفة التي يتلقونها في الفصول الدراسية التي يحتاجونها، للعثور على عمل، واستكشاف المسارات الوظيفية الممكنة للمستقبل.

ويختلف عن العمل الجماعي، حيث وصف أنه "تنظيم توافق إيجابي"؛ فينبغي على الطلاب العمل في مجموعات لإنجاز المهام بشكل جماعي، لتحقيق الأهداف الأكاديمية، فبخلاف التعلم الفردي، الذي قد يكون تنافسيًا بطبيعته، فقد يؤدي التعلم التعاوني إلى استفادة الطلاب من مصادر ومهارات بعضهم البعض (سؤال بعضهم البعض للحصول على معلومات وتقييم أفكارهم، ورصد عملهم، وما إلى ذلك)، فضلا عن هذا، يتغير دور المعلم من إعطاء المعلومات للطالب إلى محاولة تيسير عملية تعلمه ذاتيا، ومن ثم، ينجح كل فرد في المجموعة عندما تنجح المجموعة.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم