غدير أحمد تكتب لـ «الطريق»: من إمبابة لأبو قرقاص.. أن تكوني امرأة مسيحية في مصر

الأحد , 29 مايو 2016 , 11:56 ص آراء ورؤى


غدير أحمد.


اعتاد الشعب المصري على تكرار الوقائع التي يُرجع السبب فيها إلى النساء، كجرائم الشرف بالإضافة إلى ما يُعرف بالفتنة الطائفية أو الدينية؛ وأكثر هذه الوقائع تكرارًا هي تلك التي تتقاطع بها جرائم الشرف مع الطائفية الدينية.


وجريمة الشرف هي تلك التي يرتكبها الشخص -غالبًا ذكر- في حق أنثى من نساء العائلة قررت أن تخرج عمّا تُعرفه العائلة بالشرف؛ قد تكون علاقة جنسية دون زواج، وقد تكون مجرد علاقة عاطفية وربما كانت مجرد إشاعة، أو تغيير عقيدتها الدينية. وتتعدد ردود فعل العائلات لتبدأ بكشف العذرية والحبس والتزويج القسري وأحيانًا القتل.


أما الفتنة الدينية فهي -في الغالب- واقعة تتسبب في مشادات بين طرفين من عقائد دينية مختلفة؛ ينتج عنها أحداث عنف، قد ينتج عنها قتل وحرق ونهب للمنازل وأعمال شغب.



تطرح أحداث أبو قرقاص اليوم مجموعة من الأسئلة والخاصة بوضع النساء في مصر، وبخاصة المنتميات للأقليات الدينية، واللاتي يقمن في مناطق مهمشة كالصعيد وأحياء أكثر تهميشًا كالقرى والنجوع في أقاصي الصعيد؛ بالنسبة للدولة وللمجتمع المحلي لهؤلاء النسوة.


 وتتكرر الأسئلة عن كيف تُرى هؤلاء في سياق دورهن الاجتماعي متقاطعًا مع تهميشهن كأقلية دينية وتواجدهن في قطاع مهمش بفعل مركزية الدولة. 



 ففي الصدد الأول تعتبر النساء ملكيات لذويهن من الرجال -أزواجًا كانوا أو آباء وأقارب- وتصبح النساء مجرد مستأجرات لأنفسهن بينما تظل الملكية حق للمالك؛ حيث لا يسمح بتصرفات معينة من قِبل المُستأجرة، كالخروج عن النمط الاجتماعي لنساء العائلة والذي هو قالب جامد يخص التصرفات والسلوكيات والميول والاختيارات.


 فلا يجوز لامرأة أن تتصرف بحق نفسها دون أن ترجع للمالك وإلا أعتبرت ناشزًا تستحق العقاب. 


 هذا العقد بالملكية هو عقد ضمني متفق عليه في الأنظمة الأبوية يعتبر النساء تابعات للرجال، وينتمين إليهم، وعليه؛ فإن الأفعال التي تقوم بها النساء لا تنسب إليهن وإنما لذويهن من الرجال والمُخالفة منها كتقصير في أدوارهم كرجال، أو بالأحرى كمُلاك.


ويستمد الرجل رجولته في المجتمع وهيبته من إحكام سيطرته على "نساؤه"، فيبذل قُصارى جهده للهيمنة عليهن.


لذلك يتم استخدامهن كنوع من أنواع الإهانة لمجموعة ما من الرجال، بدءًا من السُباب ووصولًا للإعتداء الجنسي.


 ويترتب على ذلك أن يتم تحميل النساء عبء أكبر من طاقتهن، وهو عبء الحفاظ على العادات والتقاليد وشرف العائلة وهويتها. 


وفي الصدد الثاني، يزداد الأمر سوءًا كلما تقاطع الدور الاجتماعي للنساء مع انتمائهن للأقليات، كالأقليات الدينية أو الإثنية والعرقية، أو كنّ من ذوات البشرة الملونة علاوة على الفقر. 


 حيث يتضاعف التمييز المبني على النوع الاجتماعي ليشمل اضطهاد الجماعة أيضًا وكلما أضيف جانبًا جديدًا يجعل النساء أكثر عرضة للإضطهاد من الرجال؛ فالمرأة المسلمة أقل تعرضًا للإضطهاد من المسيحية، والفقيرة المنتمية لمجموعة إثنية أكثر عرضة للإضطهاد من الفقيرة المنتمية لمجموعة لا تصنف بالعِرق أو بالأصل.


وبناءًا عليه فالنساء المسيحيات في نجوع الصعيد أكثر عرضة للإضطهاد بسبب دورهن الاجتماعي وإنتمائهن لأقلية دينية تعيش في قطاع أرضي مُهمّش من الدولة.


وعلى ذِكر الدولة، فمن المهم أن نضع سياقًا واضحًا لكيف تتعامل الدولة متمثلة في القانون والمؤسسات الحكومية مع هؤلاء النساء.


 أرى أن الدولة المصرية دولة أبوية، يقوم فيها التشريع على تناقض إعتبار النساء مواطنات درجة ثانية، حاملات لواء الشرف والأخلاق.


 فالقوانين المصرية تسمح بإرتكاب جرائم قتل بدافع الحفاظ على الشرف، كما لا تساوي في العقوبات بين الرجل والمرأة كالزنا، أو لا تنص على عقوبات كحالتي العنف الأسري والإغتصاب الزوجي. 


 بدلًا من أن تضمن الدولة هؤلاء النساء وغيرهن حقوقًا مدنية منصوص عليها دستوريًا، لتمكنهن في مجتمعاتهن، تلعب الدولة دورًا أبويًا محوريًا في حياة هؤلاء. 


وهي بذلك تتواطأ في التمييز المُمارس ضدهن، حيث تأصل لهيمنة ذويهن من الرجال، مؤكِدة تبعية النساء للرجال كبديل عن قيم المواطنة.



أحداث أبو قرقاص بالمنيا هي جزء من واقع مخزِ تعيشه النساء المنتميات للأقليات في مصر بشكل يومي. فإلى جانب حملهن لقب شرف الأسرة وحصر حيواتهن على رغبات ذكور العائلة، فهن يُعاقبن بدلًا من هؤلاء الذكور ويتم استخدامهن لإذلالهم.


 فبحسب روايات مختلفة للواقعة، فإنه قد تم التنكيل بأم الشخص الذي أًشيع بأنه على علاقة بمسلمة، وفي هذه القصة نقطتين:


 الأولى: أن التنكيل بالأم كان بناءًا على كونها امرأة في المقام الأول، ثم كونها مسيحية؛ أي مُستباحة لأنها لا تنتمي لدين الأغلبية.


 الثانية: أن المعتدين من المسلمين دفعهم الإنتقام من "فلان" الذي تجرأ ودخل علاقة مع مسلمة وهي من ملكيتهم لأنها تنتمي لهم سواء بصفة القرابة أو بالعقيدة الدينية؛ مما يجعل في علاقته معها إعتداء مباشر على هذه الملكية وهو ما يعتبرونه إهانة تستحق أن تُرد بإهانة مماثلة في ملكية "فلان" - وهي أمه.


ما حدث في أبوقرقاص بالمنيا ليلة الخامس والعشرين من مايو 2016، لا يختلف كثيرًا عما يُعرف إعلاميًا باسم فتنة إمبابة 7 مايو 2011 بالجيزة، عندما قيل إن سيدة مسيحية قد اعتنقت الإسلام تم خطفها وإحتجازها في الكنيسة وعلى أثر الخبر تجمهر عدد من المسلمين مطالبين "باستردادها". 


في هذه الواقعة أيضًا -بإفتراض صحة المعلومات- رأى كل من الطرفين ملكية لهذه السيدة لأنها امرأة ثم لأنها تنتمي لنفس العقيدة الدينية، وبدافع التحدي حتى لا ينتصر فريق على الآخر نشب الخلاف الذي أسفر بالتقريب عن قتل 15 مواطن غير الجرحى.


فمبقارنة الواقعتين نجد أن في حالة أبو قرقاص لا تقدر النساء على اختيار شركائهن خارج إطار الزواج التقليدي في القرية؛ وما زاد الطين بلة هو أن هذا الشريك مسيحي لا ينتمي للأغلبية المسلمة، وكونه مسيحي في وسط عُرف بالطائفية كبعض النجوع والقرى الصعيدية يجعل من الحدث وسيلة سهلة لإفراغ شُحنة غضب متراكم تجاه كل شخص ينتمي لهذه الأقلية، لاسيما النساء. 


أما في أحداث كنيسة إمبابة، فالأمر أكثر تعقيدًا، فهذه السيدة تخلت عن عقيدتها الدينية المسيحية وتركت محل إقامة عائلتها بأسيوط لتتزوج من مسلم في مدينة أخرى قبل أن يتم احتجازها في الكنيسة كمحاولة "لاستردادها"؛ فهذه لم تخرج فقط عن إطار الزواج التقليدي كمسيحية مصرية مفترض أن تتزوج من نفس طائفتها؛ بل تجاوز هذا الحد بتغيير عقيدتها الدينية أيضًا.


في هذه الحالة، تجمهر المسلمون تحت الكنيسة "لاسترداد" امرأة مسيحية بعد إسلامها يضعنا أمام سؤال: لماذا لم يتسامح المسلمون مع سيدة أبو قرقاص -وهي تنتمي للأغلبية المسلمة- لاختيارها شريك مسيحي، بينما تسامحوا مع أخرى مسيحية لأن شريكها مسلم؟  


 ويضعنا السؤال في مأزق حقيقي عن أوضاع المسيحيين كأقلية دينية في مصر، وكيف تُرى النساء في السياق المتقاطع بين المسيحية والإسلام سواء بتغيير العقيدة أو باختيار شركاء من العقيدة الأخرى، وكيف يتم استخدامهن كأداة تنكيل وبخاصة إن كنّ مسيحيات. 



 لا شك أن الدور الذي تلعبه الدولة في هذه الديلمة لا يرقى حتى لدور المُصلح الاجتماعي، فمبدأ الجلسات العُرفية وكبار المشايخ والقساوسة لا يحل ولا يربُط؛ لأنه لا يستند قانونًا على قيم مواطنة وإنما على اضطهاد حقيقي ينسحق داخله المسيحيون وسط أغلبية مسلمة عنيفة مشحونة وعلى استعداد دائم للإنفجار. 


أما في السياق المجتمعي فيتم تحميل النساء -دائمًا- مسئولية العنف؛ للدرجة التي يصل معها تسمية الأحداث بأسمائهن: كفتنة عبير أو فتنة كاميليا، إلخ.. 


فلأن المصريات يُحمّلن عبء الشرف ولقب العرض وهم التقاليد، ففي هذه السياقات لا يقف حد العقاب عند اللوم وتحميل المسئولية، بل إلى الإعتداءات الجسدية والجنسية والخطف وأخيرًا التجريس كرد فعل مُهين.



وفي فلسفة التجريس بالمفهوم التقليدي فالإعتداء سواء بالضرب أو بالخطف والإغتصاب هو جُرسة  للرجال قبل النساء.


 فالمجتمعات الأبوية تُعرِّف النساء بوصفهن تابعات للرجال، وبذلك تصبح الإهانة الأكبر من نصيب الرجال لا النساء، وهذا ما حدث في أبو قرقاص عندما تم تجريد أم الشخص -حسب الرواية- من ملابسها والطواف بها عارية الجسد في القرية كرد فعل يمزج الذكورية بالطائفية الدينية. 


ولعل أسوء تعليق على الحدث هو ذلك الذي يحث على الإنتقام بدافع الرجولة والعرض أو كِبر السن، متغاضيًا تمامًا عن أن الإنتهاك الفعلي قد حدث لامرأة بوصفها امرأة وبوصفها مسيحية وبوصفها لا تنتمي لطبقة اجتماعية تحميها من بطش أغلبية متحفزة تجاه الأقليات الدينية والنساء معًا. 


 فرجوعًا للسابق ذكره عن اعتبار النساء ملكيات لذويهن من الرجال فإن مثل هذه الحوادث لا تحدث سوى بدافع الحفاظ على هذه الملكية وإحكام السيطرة عليها.



ففي أبو قرقاص تحرك المسلمون للإنتقام لشرفهم وعرضهم متمثلين في امرأة مسلمة على علاقة بشخص مسيحي، ضاربة برجوليتهم عرض الحائط.


بينما في إمبابة قد تحرك المسيحيون من نفس المنطلق؛ حيث قررت مسيحية الإرتباط بمسلم، ضاربة هي الأخرى بالعُرف وتعاليم العقيدة عرض الحائط.


في كلتا الحالتين، كان الدفاع الأكبر هو "الإحتفاظ" بالنساء داخل نظام الأسرة ثم العائلة الأكبر ويليهم العقيدة الدينية كنظام أبوي متداخل يفرض هيمنته على النساء ولا يعتبرهن سوى أدوات للحفاظ على النسل والتقاليد والهوية الجَمعية. 



أما الأكثر سوءًا فهو الخطاب القومي الذي ينبع استنكاره للواقعة من أبوية صريحة لا تعامل النساء كمواطنات وإنما كرموزًا للوطن والهوية.


وتنبع الإشكالية هنا من رؤية الأشخاص للنساء وكيف تُمحي فرديتهن مقابل دمجهن قسرًا في كيان قومي واحد يرى الوطن هو الأم والأم هي الوطن في علاقة تبادلية قائمة في الأساس على ملكية الرجال لأجساد النساء.


فالإستنكار في هذه الحالة ينطلق من مبدأ مغلوط، يتم فيه الترسيخ للأبوية التي يُرى فيها الرجال من خلال كيانات النساء، وتُستبدل مفاهيم المواطنة بالسيطرة على النساء و "المحافظة" عليهن. 


ما نحن بصدده الآن هو مواجهة حقيقية بين ما تمثله النساء ويرمزن له دون أن يكن لهن به ناقة أو جمل، وبين الخلافات في المجموعات الدينية والعرقية التي تسحق النساء وتستخدمهن كأطراف ضاغطة انطلاقًا من هذه الرمزية. 


 بخلاف وضع النساء المتقاطع بين دورهن الاجتماعي وانتمائهن لأقليات دينية أو عرقية، فهناك أيضًا أسئلة مطروحة وبقوة عن كيف تُرى النساء في هذه السياقات مجتمعة وكيف تفشل الدولة دائمًا في حل الصراعات الطائفية وتفريغ شحنة المسلمين تجاه الأقباط وبالأخص في الصعيد.

مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم