محمد نور فرحات يكتب : قبل أن ينفرج الستار عن مشهد العدالة

السبت , 05 مارس 2016 , 07:06 م آراء ورؤى


محمد نور فرحات



نظرات فى التعليم القانونى وسوءاته

ترتبط مشكلة العدالة عندنا ارتباطاً لا ينفصم بمسألة إعداد الكوادر المهنية التى تتولى أمر تطبيق نظام العدالة.

وهؤلاء إذا فهمنا نظام العدالة بمفهومها الشامل ليسوا هم القضاة فقط، بل يشملون- إلى جانب القضاة وأعوانهم- أعضاء النيابة العامة والإدارية وأعوانهم، ورجال الضبط، وفى مقدمتهم رجال الشرطة، والأطباء الشرعيين والخبراء، والمحامين ومختلف المشتغلين بالقانون. هؤلاء هم قوام نظام العدالة، وعلى كفاءتهم ونزاهتهم تتوقف كفاءة ونزاهة نظام العدالة.

التأهيل الجيد الذى يربط بين العلم والقيم المهنية هو الشرط الضرورى للكفاءة المهنية ومراعاة الضمير المهنى. لا يصدق هذا ليس فقط على أصحاب مهنة القانون، بل على المشتغلين بكافة المهن. دعونا نتوقف عند الإجابة عن سؤال محدد: ما النظم والمؤسسات فى مصر اليوم التى تصنع رجال القانون وتؤهلهم؟ وهل هذه النظم والمؤسسات قادرة على وضع أساس قوى لنظام العدالة الكفء والأخلاقى فى نفس الوقت؟

تكاد لا تخلو جامعة حكومية من كلية للحقوق. حتى السبعينيات من القرن الماضى لم تكن توجد فى مصر سوى كليات الحقوق بالجامعات الكبرى، وهى القاهرة وعين شمس والإسكندرية ثم أسيوط. ثم تناثرت الجامعات فى جميع محافظات مصر ومعها كليات الحقوق. السبب فى عدم تردد الدولة فى إنشاء كليات الحقوق متى طُلب منها أنها كليات غير ذات كلفة اقتصادية. لا يتطلب الأمر سوى توافر أستاذ ومدرج وميكروفون «توجد لدينا الآن إحدى عشرة كلية للحقوق يتخرج فيها سنوياً ما يزيد على أربعين ألف طالب». الهدف الثانى من الإفراط فى افتتاح كليات الحقوق هدف سياسى، إذ به تدرأ الحكومة غضب أولياء الأمور إذا لم توفر لأولادهم فرص التعليم الجامعى. ولا يهم بعد ذلك أن يكون تعليما شكليا قد يؤدى إلى البطالة أو اضطراب المهنة.

كان يُطلق على كليات الحقوق فى العصر الملكى «كليات الوزراء»، «وهو اللقب الذى انتقل بعد سنة 52 إلى الكليات العسكرية»، ولكنها أصبحت الآن مأوى للحاصلين على تقديرات دنيا فى المرحلة الثانوية، فرغم جدية المواد القانونية تقبل الدولة لدراستها الطلاب الضعاف علميا. وتكون النتيجة كارثية بجميع المقاييس: فإما نسب رسوب مرتفعة بين طلاب غير مؤهلين، وإما نتائج مفتعلة بقرارات تصدر من الجامعات بتحديد جازم لنسب الناجحين، بصرف النظر عن أحقيتهم، بحجة ازدحام المدرجات.

فى أغلب الدول لا يُقبل لدراسة القانون إلا الطلاب المتفوقون الذين يجتازون اختبارا للقدرات، وأحيانا يُشترط سبق الحصول على مؤهل عالٍ كشرط لدراسة القانون. ولكننا نعمل على إعداد جيل القائمين على أمر العدالة من ضعاف التأهيل العلمى الذين يدرسون علوماً أُجبر أغلبهم على دراستها لضعف تقديراتهم العلمية.

أضف إلى كليات الحقوق الجامعية خمساً من كليات الشريعة والقانون منتشرة فى شمال مصر وجنوبها تقوم على تدريس بعض العلوم الشرعية وبعض العلوم القانونية، وتخرج الآلاف كل عام سينضمون إلى آلاف العاملين بمهنة القانون «عدد المقيدين فى نقابة المحامين حتى الآن لا يقل عن نصف مليون محامٍ، وعدد مَن حلفوا اليمين فى آخر جلسة ثلاثة آلاف، والنقابة سعيدة بنمو الموارد من الاشتراكات».

أكاديمية الشرطة أيضا يتخرج فيها كل عام المئات من حاملى إجازة العلوم الشرطية وليسانس الحقوق. والكثير منهم يتخرج ويهرول نحو التعيين فى النيابة العامة «تتراوح تقديرات تعيينات خريجى الشرطة فى دفعات معاونى النيابة بين 15% و25%، وهناك تقديرات أعلى».

فيما مضى كان طلاب الشرطة يُمنحون درجة الحقوق من جامعة عين شمس تحت رقابتها. الآن تحررت الأكاديمية من أى وصاية علمية فى منح درجة ليسانس القانون، بل درجة الدكتوراة. «فى بعض كليات الحقوق الإقليمية أغلب الأساتذة من رجال الشرطة السابقين، والنائب العام الحالى خريج الشرطة وحقوق عين شمس سنة 76، ومن خريجى الشرطة أيضا المستشار هشام جنينة، والمستشار محمود الخضيرى، ومن خريجى كلية الشريعة وزير العدل الحالى».

أدرك صفوة القوم ومَن بيدهم الأمر والنهى أن دراسة أبنائهم القانون مع عامة الفقراء فى مدرجات مزدحمة قد تحرم أبناءهم من فرص العمل المتميز وتجعلهم يصطفون فى طوابير التعطل، فضغطوا من أجل إنشاء نظم للتعليم القانونى الأجنبى الموازى داخل الجامعات الحكومية. وهذا التعليم بدوره صنفان: تعليم جدى يخضع لإشراف جامعات أجنبية، وتعليم صورى يفتقر إلى معايير الجودة، والهدف منه أن يدفع الطلاب آلاف الجنيهات نظير وعد غير معلن، هو حصولهم على تقديرات عالية، فلا هم درسوا قانون بلدهم كما ينبغى ولا هم أجادوا لغة أجنبية يدرسون بها قوانين البلدان الأجنبية كما ينبغى. وهكذا ترسخت الطبقية المتردية فى التعليم القانونى.

فى أيامنا كانت كليات الحقوق ترسل نتائج خريجيها إلى الجهات القضائية، التى تتولى إرسال خطابات الترشيح لأوائل دفعاتهم، مع استبعاد مَن تكون به أو بأسرته شبهة جنائية. الآن أصبحنا نسمع عن الزحف المقدس لأبناء القضاة.

ويمكن إجمال ملاحظاتنا على نظام تأهيل سدنة القانون فيما يلى:

أولاً: أن ازدحام مدرجات أبناء الفقراء جعل من توزيع الأساتذة لكتبهم على الأعداد الكبيرة أهمية كبرى، مع تردِّى دخول الأساتذة، فأصبحت المنافسة بينهم ليست منافسة علمية للتفوق، بل منافسة مادية لجمع المال. وأثر ذلك بالسلب على مجمل نظام تعيينات وترقيات الأساتذة، بل إنه عندما طُلب مؤخراً من الأساتذة تعديل لوائح كلياتهم لتطويرها لم يعبأوا بالتطوير الحقيقى للتعليم القانونى وفقاً للمعايير العالمية، بل كان ما يهمهم هو إدراج أكبر عدد من المواد فى أقسامهم، حتى تزداد غنيمة توزيع الكتب، بل الأنكى من ذلك أن ازدهرت على تخوم الجامعات تجارة عشوائية موازية يقوم فيها البعض بطبع الملخصات وإجابات أسئلة الامتحان المتكررة ويبيعونها بأرخص الأسعار، بما يسهل على الطلاب تحصيل العلم التافه المنقول عن السلف أو الغش بالوسائل التكنولوجية الحديثة.

ثانياً: إنه بات من الصعب الحديث عن تقييم موضوعى للطلاب بتصحيح الأستاذ الآلاف من أوراق الإجابة فى زمن محدود وبنسبة نجاح قد تحدد سلفاً.

ثالثا: إن التعيينات الجديدة لأعضاء هيئة التدريس القانونى قد تلقى أحيانا مقاومة من الأساتذة، حتى لا يشاركهم الأساتذة الجدد فى الرزق.

رابعا: إن هناك معاهد لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى للجامعات، مثل كليات الشريعة وأكاديمية الشرطة، تمنح الدرجات العلمية فى القانون وتؤهل خريجيها لتولى المناصب القضائية دون رقابة من المجلس على محتوى التعليم القانونى وعلى معايير تقييم الخريجين، «فى إحدى مرات حضورى كمحامٍ جلسة بمجلس الدولة، فوجئت بأن عضو اليمين فى المحكمة ضابط سابق فى أمن الدولة».

خامسا: إن التقييم المنصف للتعليم القانونى يجب ألا يقتصر على محتوى المادة العلمية التى يدرسها الطالب «مع تردِّيها»، بل لابد من اعتبار المنظومة القيمية للخريج. ولا شك أنه فى ضوء الحقائق السابقة تتنوع المنظومات القيمية لخريجى معاهد القانون على النحو التالى: 1- إن التلقين وفن التحايل للنجاح مقدم على تكوين الملكة القانونية للطلاب والقدرة على التحليل والإبداع. 2- إن مَن يدفع مالاً أكثر لا يحصل بالضرورة على تعليم أفضل، ولكنه يحصل بالقطع على درجات أعلى. 3- إن القيم المحافظة والموقف السلبى من الحريات غالبة لدى خريجى التعليم الشرطى والشرعى، فإذا قدرنا هؤلاء بحوالى 40% من عدد القضاة حاليا لأدركنا طبيعة الخلفية الثقافية لقطاع كبير منهم، بما يؤثر على تفسيرهم نصوص القانون ذات الصياغات المرنة، وما أكثرها، وفى استخدامهم سلطتهم التقديرية. قارن مثلا بين حيثيات ممثل النيابة فى قضية الشعر الجاهلى لطه حسين وبين أسباب حكم حبس إسلام البحيرى أو حبس الأطفال الساخرين من داعش، «أصبحنا نستمع لمَن يباهى أنه قاضى الإعدامات».

ما الحل لضمان كفاءة التأهيل لرجال العدالة؟ حل آجل وآخر عاجل. الآجل هو إعادة هيكلة هذه المنظومة بالكامل لكى تعود مصر إلى ما كانت عليه فى الخمسينيات. الحل العاجل يتمثل فى قصر التعيين فى المناصب القضائية والمواقع القانونية على خريجى الجامعات الخاضغة لإشراف المجلس الأعلى للجامعات. ومن المهم بمكان إنشاء أكاديمية للقضاء وأكاديمية للمحاماة. ويُسمح بالانخراط فيهما لأوائل الخريجين وفقا لمعايير موضوعية صارمة. ويدرس فيها الخريجون علوم القضاء ومهنة المحاماة دراسة جدية، مع ضمان التقييم الموضوعى والبعد عن المجاملة. وأظن أن الدراسات الخاصة بإنشاء الأكاديميتين موجودة ومحفوظة، ويعلوها الغبار فى مكاتب مَن يهمهم الأمر.

هذا إن أردنا أن ينفرج ستار العدالة عن مشهد رجال قادرين على تحقيق العدل بكفاءة ونزاهة وحيدة.

نقلا عن :المصرى اليوم 


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم