أحمد فتحي يكتب: 180 دقيقة اعتقال

السبت , 05 مارس 2016 , 10:57 م آراء ورؤى


أحمد فتحي


منذ الصغر كان كل ما أعلمه عن المعتقل.. إنه مكان الخارجين على  القانون و”أعداء الوطن”، وإن المعتقلين السياسيين جميعهم “أشرار” يريدون خراب البلاد كما قال رئيسنا الحنون، ولا يستحقون الحياة ولا حتى الطعام، ولم يكن لي ذنبا فى تكوين وجهة النظر هذه، لأنني لم آخذ فى الاعتبار أن “ياما في الحبس مظاليم”.

هذا المثل الشعبي تطابق حرفيا على السجون والمعتقلات المصرية تحت رعاية أنظمة وأجهزة تفعل كل ما بوسعها وتستبيح كل شيء  لتفادي اتساخ “البدلة الميري” بأيدي “عامة الشعب” سواء ثوار، أو نشطاء، أو صحفي لا يملك إلا كاميرته، أو مشجع لا يملك إلا هتافه، وجميع الطرق مباحة وكله في سبيل طهارة واستمرار “الزحف المقدس”.

في الماضي كان أبي يحذرني من “الكلام في السياسة” أو الاعتراض على أي شيء تفعله الحكومة والنظام حتى ولو كان خطأ أو ينتهك الحقوق والحريات، وكان يؤكد لي مرارا وتكرارا “ماتتكلمش في السياسة.. هيحبسوك” لدرجة أنني كنت أتوقع السماح من أبي إذا نويت فعل “الفحشاء”، ولا أضمنه إذا نويت “الكلام في السياسة”، وكأننا عبيد في هذا البلد، وعلينا السمع والطاعة وتقديم القرابين لأسيادنا من الوزراء والمحافظين حتى يرضى عنا الإله الرئيس.

وبعد ثورة يناير بما فيها من قمع وقتل واعتقال، كنت أظن أننا سنعيش أزهى عصور الحرية، والتعبير، لكن سقطت وجهة نظري بسقوط النشطاء والثوار والصحفيين واحدا تلو الآخر إما شهداء أو معتقلين، إما بطلق ناري أو إلصاق التهم للطرف الثالث، أو الإخوان، فتتعدد الحجج والفاعل واحد.

دائما ما كنت أتابع قضايا القتل والاعتقال بعد الثورة، وبخاصة قضايا الصحفيين، لكونه المجال المنجذب إليه، وبداية من استشهاد الحسيني أبو ضيف مرورا باعتقال “شوكان” منذ أكثر من 700 يوم حتى الآن، ثم اعتقال “أحمد جمال زيادة” نحو 17 شهرا والإفراج عنه بعد معاناة.

وكنا ومازلنا نطالب بحقوق من رحلوا  والإفراج عن المعتقلين بعدة طرق، أدناها تنظيم الوقفات على سلم النقابة للتضامن معهم والمطالبة بحقوقهم، ولم أكن أتوقع يوما ما أنني سأصبح فى تعداد الصحفيين المعتقلين لمجرد نقل الحقائق أو إبداء الرأي، خاصة وأنا في بداية مسيرتي الصحفية.

لكنني علمت أن اعتقال الصحفيين وأصحاب الآراء، أقرب لهم من الهواء الذي يتنفسونه، وتأكدت من ذلك حينما عشت تجربة مدتها 3 ساعات اعتقال فى قسم شرطة “المطرية”  وضبطي وإحضاري بطريقة أدق من سير عقارب الساعة، ومعلومات وانتهاك لخصوصيات وغيرها من البيانات الشاملة، ورصد تحركاتي منذ فترة، كل هذا لأنني قمت بنقل الحقائق ورصد فساد وانتهاكات الحكومة “الطاهرة”، ولولا الصدفة لكنت مازلت في المعتقل حتى الآن.

تلك الدقة التي تُستعمل ضد الصحفيين إذا تم استغلالها في تقليل نسبة البلطجية والمجرمين وتجار السموم “ومحاربة الارهاب”  لكانت مصر من أرقى وأأمن دول العالم.

لكن استقامة الأمور لن تأت بالصمت، وأنه ليس من الضروري أن يكون المعتقل مذنبا وخائنا، لأن كل سُبل القمع متاحة في هذه الأنظمة التي تنال من رأيك قبل جسدك، ولابد من إنقاذ باقي الآراء من الاعتقال، لأن الرأي “قوي بحزمته ضعيف حين ينفردُ”، فعلينا جميعا أن نقرر ونتخلى عن صمتنا أو على الأقل نساند أصحاب الرأي، لإن زمن اعتقالي مرة أخرى أقرب من زمن قراءتك لهذا المقال.

نقلا عن زائد 18 



مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم