أحمد فتحي يكتب: المساواة في الظلم "عك"

السبت , 05 مارس 2016 , 11:11 م آراء ورؤى


أحمد فتحي


حينما كنت تلميذا في المرحلة الابتدائية، كثيرا ما كان بعض الزملاء يُحدثون أصواتا أثناء وقوف المُعلم  شارحا لنا الدروس، وطالما كان يحذرنا، مهددا بشدة العقاب لمن يلمحه خارجا عن حدود الأدب أثناء الشرح، وبمجرد إعطاء ظهره لنا كانت الأصوات تتزايد لعدم قدرته على إحكام الموقف، ولزيادة التجاوزات من البعض.

وكان هناك نوعان من المُعلمين: أولهما، الذي يستطيع معرفة من يتجاوز ويقوم بتطبيق العقاب عليه وهذا هو العدل، وثانيهما، كان يلتفت في غضب ويقوم بتطبيق العقاب على جميع من يجلسون لأنه لم يستطع تحديد الطالب الذي يتجاوز، فأقرب طريقة للترهيب هو تطبيقه على الجميع سواء كنت مذنبا او ملتزما، وعندما يجد الاعتراض من الملتزمين، كان يرد: “المساواة في الظلم عدل”.

مرت السنوات وتغيرت الظروف وتكرر المبدأ في أكثر من مناسبة، فوجدنا من يحكم على كل ملتح بأنه “إخوان”، وكل فرد داخلية بأنه ظالم “قامع”، وعلى كل معارض بأنه “عميل”، وغيرها من المواقف التي أعطينا لأنفسنا الرخصة فيها لنخون ونأخون ونتهم دون أي وجه حق، ودون إعطاء الفرص، نقوم بالحكم عليهم لمجرد أنهم يحملون نفس الصفات، أو تابعون لنفس الكيان.

أشهر مواقف تطبيق هذه القاعدة كانت على روابط الأندية “الأولتراس”، فإذا رجعت بذاكرتك قليلا واستطعت تخيل أشكال المدرجات، تجد أنها مملؤة بآلاف المشجعين، وهناك نحو 5 أو 10أو 1000 شخص ممن يتجاوزون ويشعلون الألعاب النارية و”الشماريخ” وبعد المباراة يخرج المسئولون عن التأمين ولا يجدون مبررا لعجزهم عن تحديد المتجاوزين وعدم قدرتهم على إحكام عملية التأمين والتفتيش، إلا إلصاق التهم بجميع أفراد “الأولتراس” ووصفهم بالمخربين والإرهابيين إن لزم الأمر.

ونجد أيضا من يحكم على جميع أفراد الشرطة بأنهم “بلطجية” لا يتخلون عن سياسات القمع والتعذيب، ولم نأخذ في الاعتبار أن هناك من الضباط الشرفاء حتى ولو كانوا قليلون، إلا انه من المستحيل إنكار دورهم وإلصاق التهم لكل من ينتمي إلى كيان أو جهاز لمجرد عدم قدرتنا على تحديد المتجاوز وتطبيق العدل عليه سواء لقوته أو لعجزنا على تحديده.

لم يكتف البعض بهذا المبدأ، بل أخذ يشتق منه مبدأ جديدا أكثر راحة للعقل ويوفر الوقت والجهد في التفكير، وهو “كلهم فاسدون حتى يثبتوا العكس” أو “كلهم شِمال حتى يثبتوا العكس”.

بهذا المبدأ نكون قد عطلنا عقولنا وقلوبنا عن العمل الإنساني، وبالسير عليه فإننا سنحكم على الجميع بكل الصفات السلبية حتى قبل أن نرى المعامله، وهذا ما نراه الآن، فنجد من يحكم على كل الفتيات بأنهن “عاهرات” لمجرد سيرهن بشعرهن، أو لارتدائهن ملابس معينة، وتتغير وجهة النظر إذا اثبتن العكس.. في المقابل يحكم على كل المحجبات بأنهن “ملتزمات” بالرغم من أن ارتداء الحجاب أو خلعه ليس هو المقياس للتدين، أو العفة أو الأخلاق، كما يحكم على الملتحين والمنتقبات بأنهم إخوان، أو تابعين لتنظيم إرهابي “حتى يثبتوا العكس”.

أيضا.. يحكم علينا آبائنا وأجدادنا بأن جيلنا “جيل فاشل” ولم يستطع الاعتماد على ذاته ومواجهة الحياة بمختلف أحوالها، قائلين تلك الجملة “حتى نثبت العكس”، وكأن مفروض علينا أن نثبت ذلك قهرا وغصبا وفرضا، حتى نزيل من الأذهان أفكار سلبية ليس لنا أي ذنب في تكوينها في عقول رفضت الصبر قبل الحكم.

في حملة إعلانية لإحدى الشركات على مواقع التواصل الإجتماعي في شهر رمضان الماضي، كانت تركز على النماذج الإيجابية، والتي من الممكن أن تتعرض للنقد لمجرد رؤيتها في موضع ما ويتم الحكم عليها بالسلب، وكانت الحملة قائمة على إعطاء “ثانية زيادة” قبل الحكم على البشر لعلنا نخطيء، لأن “ثانية بتفرق” في الحكم على الناس.

أما أنا، فأرى أن فكرنا هذا يحتاج إلى ساعات أو أيام للحكم الصحيح على الآخرين، لأن “ثانية” واحدة لا تكفي.

لا تسألني كيف.. لأن كل ما أعلمه أن هناك “عك” ما.

نقلا عن زائد 18 


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم