أحمد المسيري يكتب: "طايع" تجربة ناضجة تحترم عقلية المشاهد

الإثنين , 25 يونيو 2018 , 09:40 ص آراء ورؤى


طايع


"اذا أردت أن تفهم أنسانا فانظر إلى فعله لحظة اختيار حر، وحينئذ سوف تفاجأ تماما ، فقد ترى القديس يزنى وقد ترى العاهرة تصلى وقد ترى الطبيب يشرب السم
وقد تفاجأ بصديقك يطعنك و بعدوك ينقذك ، وقد ترى الخادم سيدا في أفعاله و السيد أحقر من أحقر خادم في أعماله، و قد ترى ملوكا يرتشون و صعاليك يتصدقون
انظر إلى الإنسان حينما يرتفع عنه الخوف وينام الحذر وتشبع الشهوة وتسقط الموانع ، فتراه على حقيقته يمشى على أربع كحيوان ، أو يطير بجناحين كملاك ، أو يزحف كثعبان ، أو يلدغ كعقرب ، أو يأكل الطين كدود الأرض"                  

عندما نشاهد مسلسل طايع الذي عرض فى هذا الموسم من رمضان 2018 سنجد أننا أمام إنعكاس مصور لهذه المقولة المنقولة من كتاب المسيخ الدجال للدكتور مصطفى محمود ، مسلسل طايع الذى قام ببطولته عمرو يوسف وعمرو عبد الجليل ومن إخراج عمرو سلامه وإنتاج هشام تحسين ورامى إمام وتأليف مشترك بين خالد دياب وشيرين دياب ومحمد دياب ، وقد ناقش المسلسل قضيتان هامتان وهما الثأر والتى تعتبر الفكرة المجردة الأساسية التى بنى عليها النص والقضية الأخرى هى تهريب الأثار ، ويدور المسلسل حول طايع (عمرو يوسف ) الطبيب الشاب الخير الذى يعالج أهالى قريته بالمجان ويجمعه ثأر مع عائلة جابر صديقه السابق (محمود حافظ ) ، حيث أن أم جابر ( سماء إبراهيم ) تظن أن ابو طايع قتل زوجها وأيضا أم طايع (سهير المرشدى ) تظن أن أبو جابرهو من قتل زوجها وكلا من السيدتان تحاولان الزج بأبنها لقتل الأخر للخلاص من عار الثأر وإرجاع حق القتيل وراحته ، ولكن طايع يرفض هذه الطريقة ويقرر أن يقف ضد العادات والتقاليد المغلوطه الخاصه بمجتمعه لدرجة أنه يضحى بمستقبله ويذهب إلى السجن تجنبا لإسالة بحور من الدماء فيرى أن التضحية بحريته أفضل من التضحية بإنسانيته وافكاره وقيمه التى ترفض القتل والدم ، واثناء وجود طايع فى السجن يقوم شقيقه الأصغر فواز ( أحمد داش ) بالعمل مع الريس حربي (عمرو عبد الجليل) أكبر مجرم فى الصعيد والذى يعمل فى تهريب الأثار مقابل حماية الريس حربى لفواز من عائلة جابر ، وهنا يستغل الظابط سراج (محمد على ) هذا ويعقد صفقه مع طايع لإخراجه من السجن وإنقاذ أخيه من الإنسياق وراء إجرام حربى مقابل مساعدة طايع للظابط سراج فى الإيقاع بالريس حربى أكبر مجرم فى الصعيد فيقبل طايع بالإتفاق وتدور الأحداث

عندما تصبح الأعراف أقوى من القانون

قبل ظهور القانون كانت العادات والتقاليد والأعراف هى التى تسود بين القبائل والعشائر ، ولكن صاحب ظهور المجتمعات المنظمة القانون الذى كان لابد من وجوده لإدارة المجتمعات وتنظيمها ، وجزأ كبير من القانون وضع على أساس الاعراف والتقاليد حتى القانون الدولى نفسه الذى ينظم المجتمع الدولى يعتبر العرف مصدر أساسي من مصادره ، ولذلك فيأخذ القانون من العرف والتقاليد مايناسبه ليصيغ علي اساسه القواعد القانونية العامة المجردة ، ويتجنب منه العرف مالا يتناسب مع المجتمع بل ويجرمه فى بعض الحالات ،ولذلك فيسود القانون على العرف والعادات والتقاليد وليس العكس ، ولكن تكمن المشكله عندما تصبح بعض العادات والتقاليد المغلوطه هى السائدة عند بعض المجتمعات لدرجة أن الرافض لها تطارده لعنة الجماعه وإستهجانهم لأفعاله ورفضهم له لمجرد إختلافه مع معتقداتهم المسيطرة على عقولهم  على حساب القانون والمنطق والإنسانية حتى لو كانت تقاليد خاطئه  مما قد يؤدى إلى الفوضى أو تناقض السلوكيات ، حيث أن سلوك الإنسان المسئول الاول عنه هى أفكاره ومعتقداته ، ولذلك فنجد أن شخص يتمتع بالإنسانيه في لحظه يتحول إلى شخص عدائي أعمى شديد الشراسه فى بعض المواقف إذا أصطدمت هذه المواقف بقيمه أو معتقداته ، وتعتبر قضية الثأر من هذه الموضوعات التى نجد فيها تحول للشخص الصعيدى المعروف بإنسانيته وشهامته وعفوه عند المقدرة الى شخص لا يريد غير قتل من له ثأر عنده أو حتى كل من يحاول منعه عن ثأره ومهما كانت العواقب ، وفى مسلسل طايع انهارت وتحطمت صداقة العمر والعشرة والجيرة امام صلابة العادات والتقاليد والأعراف المغلوطه السائده والراسخه فى الأذهان ، وقد إستطاع صناع العمل فى مسلسل طايع من توظيف جميع العناصر الفنية لإخراج عمل ناضج استطاع ان يعبر عن الفكرة الأساسية التى تم بناء العمل على أساسها .

العنوان وإختيار الأسماء

اختيار اسم البطل ليكون اسم المسلسل هو نوع من انواع جذب انتباه المتفرج ان هذه القصة قصة البطل مما يؤدى إلى خلق رؤية أوسع ،أما إسم "طايع " فى القاموس يعنى الطاعة ، وعلى الرغم من تناقض الاسم مع فعل طايع وهو تمرده على العادات والتقاليد كالثأر أو عدم إنصياعه للظلم المتمثل فى الريس حربى يصنع ذلك تضاد والتضاد دائما مايبرز المعني ويوضحه ، أما إختيار بعض الاسماء الاخرى الرئيسية تعكس بعض الدلالات فمثلا "مهجة " حبيبة طايع والاسم يعنى الروح أو الشيء الذى لا يمكن الاستغناء عنه وهذا يعطى دلالة على ان مهجة تمثل روح طايع ، أما باحثة الاثار التى تجاهد فى المحافظة على المقابر الفرعونية ضد النبش والاحتيال نجد ان اسمها "أمينة " ، والظابط الذى يحاول كشف الحقيقة والايقاع بالشر المتمثل فى حربى نجد ان اسمه " سراج" ومعناه القمر المضيء ، أما الشخص الشرير والذي يعتبر البطل الضد لطايع اسمه " الريس حربى " والاسم يعنى الحرب وما يرتبط بها من دمار وقتل وويلات مصاحبه لها .

أغنية التتر والصوت

اغنية تتر المقدمة مزج مابين الفلكلور الشعبى وهذا يتضح من كلمات الاغنية أما الاداء الغنائى فكان مزج مابين الإنشاد الغنائى الاقرب الى الدينى واللغه الصعيدية مما جعل التتر هو الاقرب فى التعبير عن اجواء الصعيد وحالة  البطل مما أدى الى خلق تيمات شعورية ادت الى دعم الصلة بين المشاهد والبطل وقصته ، وكان ايضا اختيار الة الناى لعزف الموسيقى التصويرية مناسب بسبب إرتباطها بالاجواء الصعيديه ، بالاضافه للتوظيف الجيد لباقى عناصر الصوت برويهات واصوات الطبيعه والصمت ، أما تتر النهاية فكلماتها لم تقل عن كلمات تتر المقدمة سواء فى التأثير أو التعبير.

الإخراج  والتصوير والإضاءة والالوان

من الملاحظ ان اغلب المشاهد كان تصويرها خارجى وينعكس الجهد الواضح من قبل المخرج عمرو سلامه وطاقمة على جودة العمل ، وظهر ذلك فى تنظيم المجاميع الكبيرة واختيار الاماكن ، واتقان استخدام الزوايا واحجام الكادرات الذي انعكس فى النهاية على تكوين الصورة فخرجت بصورة جيده ومناسبه ،بالإضافه الى نجاحه فى إستثارة ذهن المشاهد بالتحديد فى الاجزاء التى كانت فيها النتيجة تسبق السبب فى القصة ، ومنها المشاهد التى كانت تصور طايع وهو صغير بالاضافه  الى عدم إيضاح كيفية موت ابنة الريس حربي او ابو طايع وابو جابر والذي ظل مجهول لعدة حلقات وسواء كانت هذه فكرة الكاتب أو تعديل المخرج ولكن التعبير عن ذلك كان جيد ، أما الصورة فكان توزيع الاضاءة مناسب بالتحديد فى المشاهد الليلية وايضا اللون الاصفر القاتم الغالب على العمل كان يعكس الطبيعة الصحراوية من ناحية وأجواء الموت والقتامه من ناحية أخرى .

تسكين جيد ووجوه جديده تستحق النجومية

الملفت للانتباه فى مسلسل طايع على المستوى التمثيلى أن الكل أبطال ، فلن نتحدث عن الاداء المتميز لابطال العمل المعروفين لدى الجمهور ، والذين اثقلتهم كثرة الاعمال والسنين من الخبرة والتعلم مايجعلهم يستحقون البطولة والنجومية ، ولكننا سنتحدث عن الوجوه الصاعده والغير مألوفه لدى الجمهور والتى استطاعت بأدائها التمثيلى ودراستها الجيد لابعاد الشخصيات ان تخلق بين المشاهد وبينها حالة من التفاعل والتوحد مع الشخصية مما جعلنا نصل لمرحلة التماهى بالشخصية مما يعنى ارتباط المشاهد شعوريا بكل شخصية بمجرد فهمه لها ومعرفة دوافعها واهدافها ، ولا يخفى على أحد أن الوصول لهذه الحاله  تحتاج لممثلين على أداء عالى وموهبه حقيقة ، ومن الوجوه الصاعده التى كانت اكثر سطوعا فى العمل الفنان رشدي الشامى (العمدة ) ، على القاسم (ضاحى) ، مها نصر ( أمينة ) ، سما إبراهيم (أم جابر) ، مجدي بحيري (هلال) ، بطرس ماركو (أورباب ) بالإضافه الى محمد على ( سراج بيه ) الذى تميز بالتعبير الجيد بالنظرات وهذا يحتاج الى درجة عالية من إتقان الممثل للموهبة والتمكن من أدواته ، وغيرهم من الفنانين الاخرين الذين لم يسعنا المقال لذكر أسمائهم ’ ولكن مايسعنا ان نقوله أن التسكين الجيد فى الأدوار كان من أكثر مايميز العمل وبالتحديد أيضا "أحمد داش" الذى كان إكتشاف المخرج عمرو سلامه فى فيلم لامؤاخذه وقد كان الأكثر لمعانا

القصة والسيناريو والحوار

اكثر ما امتاز به السيناريو هو البناء الجيد للشخصيات ، فاهتم كتاب العمل بالتركيز على الابعاد الثلاثة لكل شخصية اساسية وهى البعد النفسي والبعد الإجتماعى والبعد الشكلى مما يؤدى إلى التعمق فى كل شخصية ، أما التحول فى الشخصيات تم معالجته بطريقه منطقية ، وعلى الرغم من ما يؤخذ على السيناريو من التصاعد المستمر فى لحظات الذروة والتى دائما ماتنتهى بالحل عن طريق اقتحام مفتعل لشخص أو حدث فى اللحظات الاخيره والذى يؤدى بدوره الى انقاذ للبطل ثم دخوله فى مأزق أخر ، ولكن لا نستطيع انكار ان الهدف الرئيسي وراء ذلك قد تحقق وهو تحقيق عنصر التشويق والإثاره بالاضافه ان الحلول دائما كانت تصاغ فى إطار من المنطقية ، أما الحوار فأتت صياغته بطريقة تخدم الفكرة المجردة التى بنى عليها العمل وتوضحها وتعلى من قيمتها ، ظهر السيناريو كأننا امام رواية بفصلين حيث يبدأ فصل جديد بعد وقوع حدث مفجر أخر وهو قتل مهجة وينتج عن ذلك تحول كامل في شخصية طايع ، أما الجانب اللامع من السيناريو فيكمن فى الرمزيات والدلالات الموجوده فى القصة سواء فى الاسماء او الشخصيات او الحوار أو المشاهد وبالتحديد فى الحلقة قبل الاخيره عندما يجد طايع جثة ابوه وابو جابر ويعلم ان سبب الموت ليس قتل احدهما الاخر وانما انهيار المقبرة عليهما فقد عاشوا اصدقاء وماتوا اصدقاء وهى رمزية بأن الثأر الذي سعوا خلفه وتسبب فى خراب ودمار حياتهم وحياة كل من حولهم هو مجرد فكرة مبنية على وهم وعدم منطقية ، أما الحلقه الاخيره تؤكد اننا امام سيناريو من النوع الدائرى حيث نجد اننا رجعنا للبداية التى بدأ منها المسلسل ولكن مع اختلاف بعض الشخصيات فطايع رجع الي السجن وبدلا من زيارة مهجه له تقوم امينة بزيارته ، حتى النهاية فى المشهد الاخير من المسلسل لم تخلو من الرمزيات فبعد ظن الجميع ان كل شيء انتهى بموت حربي واولاده يظهر من جديد احد ابناء حربي فى السجن ويحاول الثأر لوالده واخوته من طايع فيما يحمل دلاله بأن الثأر لن ينتهى بموت احد ولكنه سينتهى بانتهاء الافكار نفسها والقناعات المغلوطه.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم